قصيدة منفيّة .. رسائل السيد أندم

لمشاهدة اللوحة بحجمها الطبيعي

إلى وطنٍ غادَرَ كما تغادر الطيور من طقسٍ لطقس , غادرت وتركت أعشاشها للعائدين من رحلة الموت ..

إليك تحايا المنفى والعزلة القاتمة !!

  إقرأ المزيد

لولا الحمقى ما تمَّت منى العقلاء ..

إنَّ أول ما يُطرَّز به المقال هو الدليل على آخر انتهى إليه الفكر ، والبديهيات عند أصحابها ، دُلُل على شخصياتهم عند غيرهم ، والعيونُ نظاراتُ القلوبِ ، وإن العين مهما اختلف لونها تبقى حبيسة ثنائية نظر القلب إلى الأشياء من حيث البياضُ والسوادُ ، الحق والباطل ، ومتى وَجّه المرء ببصره إلى الشيء فإن صورته في العقل مُحدّدة الوجهة من طرف القلب باعتبار المقاصد المرادة منه ، وإن الأشياء ليست بذواتها وإنما بالعلل السّائقة لها ، فالخوف واحد غير أنه يعمل على زرع الإقدام في قلب المؤمن الشجاع ، ويعمل في الوقت ذاته في قلب الأزوح (١)عن فضيلة الحياة ، المقبل على ثماد العيش إحجاما ، ويكون في نفس الأول عاملا على الاطمئنان إنْ صاحب الخوفَ عمل ، ويعمل في قلب الثاني على زرع الاضطراب والحزن وإنْ صاحَبه عمل بإحجام ، فالأشياء بمواضع نزولها ، وليس كل ترباء القلوب تصلح للري والزراعة ، وإن القلب ذاته لا يمكن فصل العواطف فيه عن العقل ، إذ إن العقل فعل من أفعال القلب ، ولا ثبات للقلب إلا في عقله بنفسه ، فكما يسمع المرء بأذنيه ، يعقل بقلبه ( ٢ ) وإن النظر بهذه الثنائية المقيتة لكل شيء دون شاذٍ عن القاعدة لهو قاعدة الشذوذ في الكون ، فحتى الرياضيات التي تستمد قواعدها من النظر في الكون لم تترك المسألة عبثا للثنائيات ، فعندما يعبّر الرياضيون بهذه العبارة ” أكبر مِن أو يساوي” فليس في هذا إلا أن معادلة الصراع قد تكون بين حقٍّ وباطل أو باطلين وليس أحسن من قولهم إلا قول ربنا { وكذلك نذيق الظالمين بعضهم بأس بعض }، وليس في تمييز الحق من الباطل سوى تحديد موضع المرء من الكون ، إذ ليس وجود الباطل مشكلة ، فوجوده حتمي ، المعضلة في تمركز أهل الحق ، فالصفر يعمل دورًا إن عرف الواحد أين يتمركز . وفي فيزياء الذرة فيزياء لوجود الباطل ؛ إن الإلكترون وإن كان سالبا فهو يخدم النواة ، شرط يكون هناك بروتون . وإن مقدِّر القدر وشارع الشرع واحد ، فإن سير المرء على الشرع يجعله يكون في القدر قدرًا ثانيا ، وهذا ما لا يفهمه الحمقى فيقفون إما شاجبين على القدر أومحاربين له وإن القدر ماض مستمر مثل التاريخ تماما ، غير أنه قلّ أن يكتب التاريخ صُنَّاعه .. والقدَر مكتوب و ليس صناع القدر إلا ألوية الحق ، والجحافل النضال .. إذا كان الباطل ضرورة مقدرة ، فمواجهته سنة كونية . والتعلل للقعود بالقدر مخالفة للسنة الكونية ، فالقيام بالواجب الشرعي حينها هو القدر الثاني . وليس ثمة تعارض بين تعارف الشعوب وصراع الحضارات ، ففي الصراع تتعارف الشعوب على مميزات حضارات بعضها ومساوئها .. وإن تاريخ الصراع في الكون في نفس الإنسان مختزَل ، فالمرء لا يكاد يعرف نفسه وغيره إلا حال الشدة وعند الابتلاء ،ثم إنَّ علم الإنسان أن خَلقه كان من ماء فيه لمحة دالة على أن فيه من الماء مادة الاحتراقه وفيه منه ما يمثل الأوكسجين له أيضا أعني مادة الحياة ،
وكما قيل ” ليس من إنسان عظيم دون ألم عظيم .” ومن لم ير في الساجد وهو ينزل من الركوع اقترابه من قريب إلى أقرب من الله
تعالى ، فلن يرى في المنع روح العفة وينبوع العطاء .. ومنه أنه سيقف على ظواهر الأمور ولن يرى في الماء إنسانا يموت على الحق ، أو رجلا يأبى الضيم فيفضل الحياة في سعة الروح على البقاء في سجن الجسد ، والماء حين يموت يخرج روحه من جسده السّائل فيعلو ذرات بخارية وكذا الإنسان ، وما كان حُكم الموت في البشر الانتهاء بل الانتقال . فهو انتقال من الطبيعة المادية السائلة إلى الجوهر الذي هو الروح ، والنظر إليه حال الشدة فيه تعليم للأجيال أن الإمعان في ذكر أن المرء مخلوق من طين دون ذكر أنه خلق من ماء أيضا سبيلا للركون إلى الطينية عند الضيم . وإن العبقرية لا تكمن في الأفكار الذكية ، بل في موضع الأفكار الأكثر غباء ، فإن أغبى فكرة عند اجتماعها في نسق من الأفكار الذكية لا تكون إلا أذكاها ، فالفطنة إلى الصعب يسير ، غير أن الفطنة إلى اليسير صعب عسير ، وليست العبقرية إلا النظر بعين الروح إلى ما ينظر إليه بعين العقل ، و شرط العبقرية رقة الشعور ورهافة الحس ، ولا يشترط فيها ذكاء العقل بل يقظته حال نظر بعين الروح ..

وليس من العبقرية في شيء أن يعيش المرء يستفرغ جهده في البقاء على الخبث بل كل العبقرية في أن يموت المرء على الطهر ، وليس في الموت من معاني الانتهاء المتوهمة لعين الحمقى إلا الموت الذي يعيشونه في الدنيا ، فالعبقري الحق ليس الذي يدفع الموت عنه لكي يعيش عيش المواشي ، عيشا لا يذكر في قاموس الحياة ولا حتى في الحواشي ، بل العبقري الذي إذا رأى الإياب إلى الحق في الإقدام على الحياة في معرض الموت ، ومتى سعيت جهدَك في إقناع الأحمق بأن الأشياء قد توجد في أضدادها لن تفلح ، حتى تخلص إرادته ، فحتى سلب إرادة المرء يكون بإرادته وكذا حريته ، فالإقناع فعل و الإقتناع إرادة . وخلاص الإرادة يكمن في التحليق بالروح بعيدًا عن فلاة الجسد التي لا يقتاث المرء فيها إلا على السراب ، وأكبر سراب يقتات عليه المرء هو العيش في ظل الذل للطواغيت ، والعيش في ظل الذل موت ، وفي خوف الموتِ الموتُ ، ولئن كان من معاني الذكاء لغةً زيادة ظهور لهيب النار فإن في صلب الذكاء احتراق الحطب الذي هو المادة ، فلا نور إلا عن احتراق وليس الذكاء إبداؤه بل الذكاء إخفاؤه ، فإن الغبي يتذاكى فيبدي الغباء الكامن فيه والذكي يخفي ذكاؤه بالتغابي .

و إن اختلاف القصد يجعل حماقات الحمقى جزءًا من خطط العقلاء ، فالعقلاء الذين يبَاصرون (٣) الجنة ، يباصرون الحمقى كي يكونوا وسيلة إلى المقصد ، وكثيرا ما يخيل لهؤلاء أنهم هم من يجعلون العقلاء وسائل لمقاصدهم فينال العقلاء الري الكامل بوجود السراب لدى الحمقى ؛ فكما يرى الحمقى في عفة العقلاء خلوًا للساحة للوصول إلى النساء ، فإنهم يرون في إرادتهم للآخرة سبيل لاحبًا للوصول إلى سراب الدنيا .. عندما ينتصب أحد الأقوياء في نظر الضعفاء للمفاخرة بعدِّ النساء اللاتي مارس بهن الفاحشة في مجمع تستهويه هذه الأفعال ؛ ولم يقدر على فعلها ؛ يعدّ فعله إنجازًا ، فكل ما يراه الضعفاء قويًا لا يكون إلا أضعفهم في نظر العقلاء ،لأنه حين يَعد للضعفاء إنجازته يصنفها العقلاء من سقطاته و إعلانه لسقطاته سقطة أُخرى .

فعمل الحمقى في الدنيا : اتباع السراب ، وعمل العقلاء تجفيفه ، وهنا نقطة الصراع .

وحصيلة الحديث أن : الحياة نص ، قيدهُ الموت ، فإن إقدام ملك الموت على أخذ روحك هو عينه إحجام الموت عنك ، فليس بعد الموتِ موتُ ، فانظر بما ملأت نصك فعن قريب إلى الإطلاق صائر .
وما الدنيا إلا رحم تخرج منه بعد انتهاء أجل التكوين إلى ما هو أوسع مكانًا و أجلا، فحين تنفَذ سعة الوقت تنفُذ من الوقت إلى سعته ، وسعته الخلود .

كتبه / سفيان ناصرالله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ١ ) الأَزُوحُ من الرجال: الذي يستأْخر عن المكارم ، والأَنُوحُ مثله .

( ٢ ) : فالعقل لجام العواطف ، فكما ينتج الخوف الإقدام والإحجام ، فالقلب ينتج
العاطفة في انطلاقها والعقل في إحجامه ، والمعنى خفي دقيق يفهم من السياق ،
والله تعالى قال : لهم قلوب لا يعقلون بها ، ولم يتبث قط أن ذكره بصيغة الاسم ،
فالاسم فيه دلالة التبوث ، والفعل في المضارع حركي ، والفعل يُنفى ويُتبث ، لهذا
يمكن للمجنون أن يعود له عقله كما يعود للضرير بصره .

( ٣ ) باصَرَه : نظر معه إِلى شيء أَيُّهما يُبْصِرُه قبل صاحبه

أدلة الصمت.. رسائل السيد أندم

ذكرت رسالة درويش الأولى لسميح ” كم تبهجني قراءة الرسائل وكم أمقت كتابتها” كلمته الصادقة المأهولة بالبكاء جعلتني ليلاً خالياً من الصوت المدفوع برغبة الكلام , جعلتني أرتبك أمام رسالة هزمتني بنهار انتصارها على ليل الحبر , رسالة اتسعت لكل صدف الكلام ولا تتسع لخساراتي أو بعضها !!

إنها أدلة الصمت ونميمته عن الجدران والهواء والرثاء المبطن بالصبر ..

ولن نقوى على إخفاء التوجع بالصمت المضروب علينا كالحل الأخير الافتراضي لحياة تبدو أجمل من الواقع , تبدو أرضاً حقيقية وسماء غير مزينة بالأدب , تبدو أشجارها حالكة اللون أمام شمس لا تغيب من جهتنا , وليل لا يأتي من جهة البحر ..!

صمتنا فينا مرئي الانكسار , له استقامة الغريب المنتظر لقافلة تعيده لأرضه , له بحة البائع يعرض سلعته , له صراخ طفل يبحث عن أمه , له تنهيدة فتاة ساذجة تضع زهرة في شعرها , له أصناف أشكال المسافرين , له ألباس الغرباء , له سحنة الوحوش المستأنسين , له طنين بواخر تأوي إلى البحر , له صوت النوارس  وفرقعة الأعياد , له كل شيء نعرفه ..ملمسه , وصوته, وأثره علينا بعد الرحيل , لكنه فينا مرئي الانكسار!!

 

أما قبل :

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

النصف الحقيقي

اضغط على الرسمة لمشاهدتها بالحجم الطبيعي

وضعت سوريا بذورها في تربة الزمن , ثم ربَّاها التأريخ حصوناً ومدناً لا تنتمي للخضوع ..!

تنبت بالرفض والقتل ، و تحيا بقول لا .. وحدها (لا)الحياة التي لاتنقطع !!
نعرف أن الموت في سوريا ليس صدفة بل الحياة فيها صدفة ،أن تنجو من فصاحة الموت وهو يلقي خطاباته المتكررة على منابر القنابل ..

فنلوثُ سوريا بأحاديثنا عنها في السهر ، نلوثها بنصف اهتمام ونصف حزن ونصف رفض للعدو.!!
وجمال سوريا في النصف الحقيقي منها لا الملوث بأصواتنا التي لا تصل ..
جمالها دموياً يدرك كم الوطن عصيّاً لا يمنح نفسه حتى يرتوي من دماء القتلى, وتأبى سوريا إلا أن تسرف في الدماء فيدفع بالتاريخ إلى التأمل في عمق جذورها في صدره ..

وتبقى سوريا رغم الموت تبني على العدو النار والحصار, لا مكان فيها للحناجر والشعر , لا مكان فيها للقصائد , فقصيدها شهداء ترفعهم للسماء , ولا تعرف صوتاً غير هذا النشيد ! 

وقفة مصارحة معك .. وأحبك !!

سأفرح رغم قسوة وطني عليّ وعلى أبنائي , فأنا أحب النظر للجانب الحسن..
كريمٌ وطني ,غنيٌ وطني ليس عدواً لأبنائه..!
اللصوص هم من يدير أنظمة وطني ..! وإلا فأي رحمة وأي عدل يقول إذا مات الأب يُخصم دخله إلى الربع؟! وكأنهم يقولون: قد أصبحتم بلا فائدة لأنكم تأكلون وتشربون دون مقابل ودون عمل ولنساهم في تعميق جراحكم وفقدكم بسحب دخلكم!! فاكتفوا باليسيرالذي لا يكفي لثمن حذا أحدهم…!

هل تعتقدون أنه يمرُّ بهم سؤال كيف تدبر هذه الأم شؤون أبنائها وبيتها وايجار منزلها إن لم يتفضّل أحد بتوفير مأوى يسكنون فيه ..!
أحبك يا وطني رغم ملاحقة أنظمتك لي فهم يقومون مشكورين بقطع الراتب سنويا لمدة قد تتجاوز الأربعة أشهر بحجة تجديد البيانات وحرصاً منهم جزاهم الله خير على مال الدولة.. لأن هذا المبلغ الزهيد سوف يهزّ ميزانيتها لذا يجب التحديث..!
أحبك ياوطني رغم توفيرك المنزل والحدائق وسكك القطارات والملاعب للداخلين إليك من الدول الأخرى .. ونحن نحلم بربع منزل..!
أحبك ياوطني رغم انقضاء عمري وفناء شبابي وصحتي وأنا اكافح لكي أوفر كل شيء لأبنائي أوهمهم أننا لم نفقد شيء ..
أحبك ياوطني رغم علمي بأنك تقوم برفع دخل الموظفين سنويا بنسب متفاوتة فلوكان عشرين ألف لا مانع أن يصبح ثلاثة وعشرون. ونحن دائماً خارج القائمة لاتشملنا مكارمك..
فنحن في نظرك لانستحق إلا الثلاثة فقط منذ إحدى عشرة سنة…!
أحبك ياوطني رغم إهانتك المتكررة لي سنويا في المحاكم لإثبات بقائنا على مانحن عليه دون تغيير ..
أحبك ياوطني. رغم حرمانك لنا من كل الفرص .. فكلما سألت عن نظام أومنحة أوزيادة أوقرض لقيت الإجابة مباشرة النظام لا يشملكم…!!!
احبك ياوطني رغم ظلمك وأنا لم ارتكب أي ذنب سوى أن زوجي توفي..فاستبدلناك أنا وأبنائي أباً ظالماً لا يعدل بين أبنائه.!
أحبك ياوطني وسوف أفرح واشتري الرايات الخضراء ليلبسها أبنائي ويحتفلون. أحبك ياوطني.. 
بقلم / فاطمة ثابت ..
——————–
.. هذه حقوق المرأة الحقيقة المهدرة في وطني , لا تلك التي يطالب بها الكاذبون ..!!

“خريف” .. رسائل السيد أندم

لم أدرك قيمة أن ننتظر متى يلين رأس القلم لنكتب رسالة ..
وربما كان ذاك فادح العجز أن نستطيع أن نتحدث لكننا لا نستطيع أن نُعبَّر ..
إنها ورطة الكتب التي نقرؤها في المساء فتتحول أشباحاً وأردية !!
إنها ورطة الوقت المترهل الذي لا نُلقي فيه التهاني بقدر ما نَلقي التعازي , ولا نبارك فيه الفرح إلا بما نواصل به الترح , حزنٌ مركب على كل وطن يوغل في الابتعاد ..
وكيف ندافع عن الحزن بصدرالحقيقة ..!
ولأنه لا زال هناك متسع للكلام المتحجر فإننا سنبدأ الرسائل على الورق كي لا يسمعنا مساء الخريف فيجف عند الصباح وتشيع رائحة الحزن حين نبحث عن وطن ..!!
ياله من وجع ..أن نقلِّب بصرنا في السماء فنجدها واحدة , ونقلِّبه على  الأرض فنجدها أمم شتى ..
أبحث عن وطني الحقيقي لا المحدود بخطوط الجغرافيا وآفات السياسة , أبحث عن وطني الكبير , سلالة أهلي
إني أبحث عني ..إننا “ لم نكبر كثيراً يا أنا .. فالمنظر البحر , والسور المدافع عن خساراتنا ورائحة البخور تقول :
مازلنا هنا .. حتى لو انفصل الزمان عن المكان .. لعلنا لم نفترق أبداً
نمد جسورنا في البحث عن وطن واحد , وطن كبير يلتقي كله عند حضور واحد ليطل على الهباء المنثور فيه فيذوب
في الغياب .. !!

أندم