قصيدة منفيّة .. رسائل السيد أندم

لمشاهدة اللوحة بحجمها الطبيعي

إلى وطنٍ غادَرَ كما تغادر الطيور من طقسٍ لطقس , غادرت وتركت أعشاشها للعائدين من رحلة الموت ..

إليك تحايا المنفى والعزلة القاتمة !!

 

في هذا الوطن ..لم تعد للسماء طبيعة المطر , ولا في الأرض حصاً للتعثر , الفضاء فضاءٌ عصيٌ النهاية , والوطن نائماً على هدير الصمت ,والصمت يثرثر بوحشية المطعون , أشعلوا فيّ فتيلاً صغيراً كي أعيش أو أموت .. فالصمت أيضاً يموت في المدينة المغلقة ..!

في ذاك الوطن يتناسل الصدى للكلام المؤول , وتغلق المنافذ وجهها المفتون , فتخترق الحوائطَ أعينٌ للمؤانسة وٌتطمئن على مكان الوطن ..

في الوطن غدٌ ربما لا يأتي , وأمس باركته المسافة فانتهى , وحاضر فيه أسراب نوارس العزلة , والعزلة دهشة التأمل ومهارة الشطب لأيام الزمن.

في تلك العزلة كما يقول درويش ( هلع ووجع وصراخ في بطن الوحش)

في هذه العزلة (لماذا) … من قبل الرحيل جاء رحيل , لماذا من قبل الرحيل جاء اغتراب ووقوف على قارعة قطار لا يعود إلى المحطة مرتين ..!!

وطنٌ يربي فينا العزلة كما يربي الفجر , يتحرر منا كما لو أنا ملكنا قيده المأفون ..

نكمل قضية البحر ونقايس بين الملح والأشد ملوحة , نقارن بين طبيعة البكاء والخلود فيه ..فمن يملك الوجع يملك بحره وملحه !!

♦ تنام هادئاً كالدلال على السطور , ترتبُ أوراق الهموم , وتفتح شرفاتك على السفر , تأخذ كأسك اليومي من الغموض , وتتأمل السائرات على أقدام المطر , تضحك لطفل سقط , تحرس الأفكار من الغواية , تأكل القصائد الصباحية وتحرَّك رأسك لوقع الطربِ على لسان فهمك .. ثم تعود لتنام هادئاً كالدلال على السطور ..!

هكذا يقول الوطن عن أفعاله في الغياب ..!

على الهوامش تنشأ أصوات القصائد المحرمة عن الوطن , نردد الفصل الأخير ونرفع به أصواتنا, فالصوت يخفي طعم البكاء , والصوت الكبير ايقاعاً جديداً في القصيدة !!

نطيل التأمل في السعادة والمادة والطموح , كم تحدثنا كثيرا عن الأمل والمستحيل , فيخرج الوطن إثر كل مؤتمر إلى الشوارع احتجاجاً على الأمل اليابس ثم يغلق عنه كل النوافذ ..

نحن فينا غدٌ مؤجل في التراب , وفي الحلم اقتباسات من النجمة الليلية الفاترة , ترنو وتخبو , تخبو وترنو حتى يذهب الليل إلى ليله المجازي الخاص , ونصمت عن افتراءات الصباح المحاصر بالوضوح ..

في الصباح لا ننسى هواية التنفس , نتنفس كتنفس الشجر؛ في الصباح له دورتان مع الأكسجين والشمس , وفي المساء له دورة ليلية مع الكربون , كربوننا الموقوت فينا ذاكرة ..!!

وعند مفترق الطريق ينشأ الشعر البطيء , يُطلُّ عليه الجبل والوادي يسمعان ؛ فينكر الجبل السهولة في القصيدة ويطربُ الوادي للوعورة في الأمل ..

من يجمع الوعورة والسهولة في قصيدة ؟!

 من يجمع الحب والجرح في قلب القصيدة ؟!

 من يجمع التناقض والتصالح في أوردة قلب القصيدة؟!

 تَعَبٌ هذا الفعل, وقاسٍ هو الفاعل ,ومهشَّم مهمَّش هو المفعول به , هكذا يطلُّ علينا الموت بين الدقائق ” يذكّرنا بسرٍ في الحياة لم ننتبه له” كما يقول درويش في دهشة أمل !

تصمتُ الأشياء دهراً ثم تقترف النميمة للجدار , في الجدار اسم من أسماء الوقت والذاكرة , يسمع للأشياء وهي تعبث بالأسرار القديمة , ويهدهد الخطيئة في النميمة بالسلام :” لا عليكِ يا أشياؤه المنفية” ثم يخرج الانتظار حالماً كالنهار وفي الانتظار انصاتاً جيداً لأشياء المكان حين تَشِي بنفسها , والوشايةُ لفت للانتباه , فالانتظار إذن انتباه لأشيائنا المهملة!

بعد صحو الانتظار يُشعل برق الأسئلة , ففي الأسئلة معنًاً من معاني الوفاء:

ماذا فعلت؟ متى فعلت؟ كيف فعلت؟ أين فعلت؟ وهل حقاً فعلت؟

بهذا التسلسل نسرد معاني الوفاء !!

لكنها أسئلة لا تحشد كماً كافياً من الصوت للإفصاح عنها ,هي لا تخرج من الرفرفة الداخلية حتى اللسان, إنها أسئلة خاصّة على الخارطة , حمراء كأعين الأرانب الجبانة, تحترس من زلّة الشاعر حين يكذّب نفسه في قصيدته ويقول : رحل الوطن عنا ومازال فيه ورقة تينٍ لنا !!

انتهى وقت عامنا القديم يا وطن .. فأي شيء سيكون هو عامنا الجديد !!

أندم /

.

Advertisements

7 thoughts on “قصيدة منفيّة .. رسائل السيد أندم

  1. لا أذن تستمع للمألوف من الحديث والرواية ..
    ابق وحدك كالذي قد تركت من ساعاتك الصغيرة ..
    ابق كما كنت قبل احتواء جاء ليرحل من جديد ، جاء تمريناً على فكرة الانتماء!!
    إياك أن تصدق فكرة ليست أصلية في تاريخ طبعك ..
    الشمس لازالت هي
    والليل لازال واقفاً من خلف أبواب الغياب
    القهوة واللون الرمادي وكسرة من خبزة وتلفاز وأقلام وكتب لا تعرف ما الذي فيها
    ومدفأة باردة السجع تهدر في سكون ما يؤمنك من برد الشتاء !!
    لازال كل شيء كماهو إلا قلبك المكسور انكسر!!
    انهدمت والترميم في حقك تزوير محترم !!
    كن الحقيقة ولاتكن الصورة والقلم ..
    من أندم
    إليه ثانية !!

  2. كل اللذين أتوا أعياهم فهم المجاز ..
    والمجاز فصيح العبارة غير أنه يقلب الأشياء ويضحك للطريقة !!
    قد كنت أعتقد الفصاحة في المجاز نسباً بين فكرين ..
    كنت أظنها فعلاً من أفعال الصدر !!
    غير أنك وأنت تخيط الكلام إلى الكلام لا تدري أن الفهم ممنوع من الحرف !!
    ثق بأنك تكتب لا لتُسمع وتقرأ وتلمس باليدين ..
    بل إنه تخفي ظاهر.. واصرخ بكل شيء لم يعد هناك من يعرف لهجتك وفيها العزلة المباركة 🙂

  3. يحلو في الشتاء الانتظار ..
    لكني لم أعد أملك هذه الموهبة !!
    فالانتظار يعني بقية من الزمن الذي مضى ..
    والانتظار يعني الهواجس تسري كالكهرباء
    والانتظار يعني أمل ما يمكنه الحضور كفاكهة الشتاء ..
    والانتظار يعني تهيئة مسبقة للقلب والأوردة
    وهو يعني أيضاً الانتظار !!
    أما أنا … فقدت هذي الموهبة !!

  4. تباً لكل شيء
    تباً لكل من عرفت ومن لم أعرف
    للأشياء الجميلة والقبيحة
    للأشياء المضيئة والمظلمة
    للأشياء العاقلة والمجنونة
    للغالية والرخيصة
    للمفرحة والمحزنة
    لكل شيء تبا تبا تبا

  5. نموت في منفىً لا ينتظرنا فيه أحد لنعود إليه ليلاً من غربة النّهار..
    حين لا نملك حتى أن ننتظر احتضان أملٍ في صدر يتنفس هواء وطن لا يفهم لغتنا سواه..
    لأن حلماً كهذا تلاشى في المستحيل االمضروب من المسافة والعادات وحبس الرسائل المحرمة في حجرة الأسرار.
    والذي يوجع بحق أن الحنين يزداد توحشاً وطيشاً بلا أجل يؤقت للقاء.

    بورك القلم.

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s