الشعلة الزرقاء

حُرر في 27 أكتوبر 2011م

تشعر أحياناً بدهشة تكرار التاريخ , وتناسخ المشاعر, أمام قطعة رسائلية بين أدباء يفترضون لهم عيشاً آخر لا سماء له ولا أرض , وسط بياض الصحائف يتناقلون حديثاً منقوص اللقاء والصوت .. ولست هنا في مقام المنصف أو الناقد ولكني كما أنا دائماً في هذا الركن أكتب لكم عن (كتاب) ولم يكن هذه المرة إلا رسائل كان يرسلها جبران خليل جبران إلى حبيبته مي زيادة , في الشعلة الزرقاء , كان متشحاً ثوب الرزانة والحيادية في بداية رسائله , وكلَّما مر وقت انخلع منه شيء , حتى أن أول رسائله ليست كآخرها , حيث أنه لم يصرح بالحب في بدايتها وصرح بجنونه في نهايتها , كان يكفكف حرفه في بداية حبه , وأطلقه في نهايته , أسكنه أودية قلبه وقد كان يحب الأودية , ونفحَهُ كعواصف الثلج كما كان يحبها أيضاً ..

الشعلة الزرقاء كانت حباً يتوارى لامرأة فيلسوفة متوقدة الذكاء , تفنّد الحرفَ لألف حرف لترسل من الكلام أقلُّه , أو تدخره لكاتمة أسرارها كما كان يقول جبران عنها ضجراً ..

فأدهشتني الرسائل وكأنني قد قرأتها في بعض وقتي, أو وجدتها في رفوف ذاكرتي , أو أني سمعتها حرفاً له همسه في أذني , وإني أقرأها  لأول مرة ولم أقرأ لجبران من قبل ,لكني أشعر بأنني قد وقفت على بعضها حقيقة ,  رغم بعض الألفاظ التي لم يكن يدخر الكلافة فيها لأنها لاتعدو كونها رسالة حب إلى ماري , وليست رسالة أدب للقراء, فكانت تحمل أخطاء اللغة التي لا تصدر عن أديب في قرنه , ويبدو أن نيويورك أثرت في مزاجه , وكم تمنيت لو أن لردود مي مساحة في الشعلة الزرقاء حتى ندرك لكل كلمة موضعها في الرسالة التي تقابلها , غير أن ماري (الخائفة من الحب) لم تكن تتكلف الردود كثيراً ,وكثيراً ماكان يرسل إليها العتاب والتوسلات علّها أن ترد عليه (لتكسب أجر) كما يقول ..

لا أعرف عن ماري أكثر مما يعرفه الكثير , إلا أن لها روحاً أخذت بألباب الرجال في زمنها , ومنهم الأديب الرافعي الذي لم يصرح ذلك فيما يكتبه إلا أن أمره خرج من الخاص إلى العام بواسطة صديقه في كتابه حياة الرافعي , وكان مولعاً بها ولهذا كلامٌ آخر في وقته في موضوع آت بإذن الله عن حياته ,وكذلك العقاد الذي كان يكتب عنها باسم هند وصرح بذلك في كتابه أنا , وبقية الأدباء اللذين كانوا يزورونها في صالونها الأدبي ,  إلا أنها مع ما أحدثته من ضجة لم تكن تحب إلا جبران خليل جبران الذي لم تلتقي به إلا من خلال الرسائل , وحدها حروفهما التي كانت تزجهما في أمكنة اللقاء .. وأظن أن حبها وتولّعها بجبران كانت  لنسبة الدم (الوطن) ولنسبة الدين التي لم تتوفر في المصريين المسلمين في ذلك الوقت ..

في الشعلة الزرقاء ما يتصل بدينه المسيحي كما ظهر لي ولم أكن أعرف هذا , وهذه صلوات المسيحيين التي ما يفتأون يرفقونها في رسائلهم الأدبية ..

وقد تأملت هذه الشعلة منذ البداية حتى النهاية فوجدتني أكرر بها حياة , وأدُهش لتكرارها بشيء يشبه الجنون , فكأنني بين اليقظة والمنام ..

وأشياء أخرى عاثت في نفسي وأوقعتني في دهشة الصمت , لا أستطيع أن أرمز لها ولا أصرح , ولا أختصرها أو أشرح .. فإني قد شغفت شغفاً  يفوق الأطواد برسائل الأدباء , ولم أعد أشتغل إلا بالبحث عن رسائلهم , فبها حياة لم نشهدها لكن رسائلهم تكشفها ..وفي رسائل جبران ما يدل على بعض حياته وعاداته حتى في نومه ويقظته .هذه بعض كلماته وكلماتها في الرسائل ..

::::::::::::::::::::::::::::::

” في أعماقي خفقان دائم مستمر ولكني لا أريد إبدال هذا ولا تغيير ذاك .. ومن كان هذا شأنه فهو لا يعرف السعادة ولا يدري ماهي القناعة ولكنه لا يشكو لأن الشكوى ضرباً من الراحة وشكلاً من التفوق ” جبران

” إن الاستحسان نوع من المسؤولية يضعها الناس على عواتقنا فتجعلنا نشعر بضعفنا “جبران

” قد يكون الصديق الغائب أدنى وأقرب من الصديق الحاضر “جبران

” ألا إن بين العقول مساجلة وبين الأفكار تبادلاً قد لا يتناوله الإدراك الحسي ولكن من ذا الذي يستطيع نفيه بتاتاً من بين أبناء الوطن الواحد ..” مي

” من منا لا يتأفف ويتبرم إذا علم أن الأشياء المختصة به دون سواه قد مرت بين أصابع وأمام عيون من ليس لهم الحق بمعرفتها “جبران

” لكل روح فصول .. وشتاء الروح ليس كربيعها ولا صيفها كخريفها ” جبران

” ليلتي شاخت وهرمت , وأنا لا أريد أن أكتب إليك في ظلال الليالي المسنّة ” جبران

” في قلب كل شتاء ربيع يختلج , ووراء نقاب كل ليل صباح يبتسم , وهاقد تحول قنوطي إلى شكل من الأمل ” جبران

” هل يعرف أحد أن وراء أغانينا أغنية لا تنسجها الأصوات ولا ترتعش بها الأوتار ؟ هل يعرف أحد الفرح في كآبتنا والكآبة في فرحنا ؟ ” جبران

” في الزهرة الواحدة نشاهد كل مافي الربيع من الجمال والبهاء , وفي عيني الطفل الرضيع نجد كل مافي البشرية من الآمال والأماني ” جبران

” الانتظار حوافر الزمن” جبران

” أشعر أن المرأة السامية تستلزم وجود الطيبة في روح الرجل حتى ولو كان جاهلاً ” جبران

” إذا كانت الوحدة عنوان الضعف فأنا بدون شك أضعف الناس ” جبران

” إن كربة الوحدة وتباريحها تشتد وسط الجماهير ” مي

” من الغريب أن يكون أحب الناس إلينا أقدرهم على تشويش حياتنا ” جبران

” كانت أيام كآبتي طويلة ضمن جدران هذه المدينة وأطول منها كانت ليالي وحدتي وانفرادي ومن ذا يستطيع أن يتفصل عن كآبته ووحدته من غير أن يتألم في قلبه ” جبران

” ذاتي الخفية الكبرى التي أدعوها أنا ..فسرٌ غامض مكنون في أعماق سكون نفسي ولا يدركه أحد سواي وهنالك سيبقى أبداً غامضاً مستتراً ” جبران

Advertisements

12 thoughts on “الشعلة الزرقاء

  1. في أروقة التأريخ ألوان زاهية تقرؤها العيون الوردية بذات الروح الشفافة التي سطرتها على جدران الزمن
    ثمة ما يجعل قراءتنا أكثر متعة كالغوص في أعماق الكلمات واكتشاف أرواحها المختبئة في أصداف الكلمات الساحرة
    وحدهم الرائعون يجيدون مثل هذا الغوص وهذا ما يجعلنا نغبطهم
    مودتي

    • ياللشعر المتمضيء في داخلك يا سيدي ..
      في التأريخ حكايا لا تنتهي ..
      والتأريخ راوي لا يمل من تكرار الحكاية ..
      بكل فصولها الفاترة .. وفي فتور أحلامه نغوص لنختطف لمحة الضوء الجميل ..
      مرحباً بك ياسيدي ..
      سعيدة بك

  2. الرائع فيهمآ
    أن السّيدة مي والسيّد جبران لم يلتقيا ومع ذلك لم يفترقاا
    وبينهما مشاعر حميمية لا تخفيها أي ورق ,,,
    وقد قرأت في سيرة السيدة مي أنها بعد موت جبران دخلت المصح العقلي مدة ثلاثة سنوات
    ومن بعد ذلك نقلت إلى مسقط رأسها لتموت وبيدهآآآ صورة السيد جبران ومكتوب عليها [ هذه مصيبتي منذ أعوام ]
    رسائل تستحق أن تكون بالنور
    وان توليها الاهتمام يآ أمل
    دمتِ بتألُّق ^^

    • افتراقهما أولال سلالات اللقاء ..
      والأعجب فيهما أنهما اتحدا من حيث تناقضا في أرواح من جانباهما الحياة ..
      وسيرة مي كان مأساة كبيرة جداً منذ أن فقهت في الأدب طرائقه حتى أمسكت بيد جبران في صورته..
      سعيدة بحضورك يا رائعة ..
      كوني هنا دائماً

  3. صبحك الله بالخير والنور

    المحرك الاساس لهذا النبض (كلمة) ! روح !
    طرتي بنا في عوالمهم فتهنا بين انات الحروف
    فنحن قد الفنا التراب وهم ألفوا حرفه ..
    اعذري جهلي معلمتي ولكني اظنهم يهيمون ما بين سراب وتراب

    تقبلي احترامي وتقديري

    • هناك حرف له رنة الألم .. ونبرة الصدق ..
      الصدق سطراً من سطور الرسائل ..
      وبرهانه الخطأ في كل لفحة عاطفية ..
      أخي الفاضل غريب ..
      مرحباً بحضورك الراااااائع
      كن دوماً هنا

  4. تحياتي لشخصك الكريم … الأدباء مثلهم مثل غيرهم تعتلج في دواخلهم المشاعر كما تختلج في صدور غيرهم من البشر ، عدا ذلك هم يسطرون مايستفز تلك المشاعر على الوراق فتكون مادة للقراء والنقاد ، لأنهم يوثقون تاريخهم الفكري والعاطفي في آن واحد ، ربما لانشهد ذلك إلا لدى بعضهم حيث تظهر حياتهم الخاصة ورؤاهم الفكرية والثقافية المختلفة للعلن … جميل أن تتطرقي لكهذا أدب ظل بعد رحيل أصحابه كشاهد أمين لجيلهم … بالمقابل هل لدينا الجرأة لأن نكون كذلك في حياتنا على اختلاف اهتماماتنا … ليس بالضرورة أن ننغمس في مشاعرنا … ولكن طرفاً منها قد يسقى عطشى للكلمة حب من أقرب الناس مع أنه قد يكون ممّن يتقلب في فنون الأدب والشعر والثقافة ويستكثرها على أقرب الناس له .. كما يفعل العامة ولاريب .

    • الأدباء مؤرخوا مشاعر ..
      وقد نتطرف ونتجرأ حتى يكون الأدب فتنتنا إلى الأبد , نتطرف في سرمديته للعطش فقط ..
      وكل بحار الكلام لا يجزء من كأس كلمة صادقة ممن نقصده , والأدب خادم نبيل في حرق المشاعر وإشعالها ..
      كم ذا غريب من الأدب , وغريب في الأدب ..

      تأتي يا أستاذ تركي ..
      فتحتشد الجمال ..
      شكراً لهذا ..

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s