فخ الرسائل !

.

.

قراءة لكتاب آخر , ومرة أخرى نعود لسلسلة دودة كتب :

كي أتجنب السقوط في فخ الرثاء الذي أكرهه والرومانسيات التي لا تجدي لن أكتب عن غسان كنفاني وإنما سأتركه هو يحدثنا عن نفسه …
كانت مقدمة شرسة ، افتتحت بها غادة السمان الرسائل الساخنة ، وكانت مقدمة رغم شراستها تدعو القارئ العابر أن يقرأ الرسائل ليس لأنها جريئة في عرضها ، ليس لأنها من رجل قد ترك حبه لوطنه وحبه لامرأة ليست له ، ليس لأنها إلى غادة ذاتها التي تفتخر أنه من بين رجالها الذين أحبتهم ، وأنه من رجالها الأحب إليها، بل لأنها أسرار ميت ، أسرار أديب كتب معاناته، وتطرفه في حبه ورفضه ، وكما يقول ميمرموس ( الناس يحسدون العظيم في حياته ويمدحونه في مماته ) وبهذا النبل الغريب الذي اقترفته غادة نشرته على سطور الأدب بحجة خروج هذه الرسائل من الخاص إلى العام كما تقول . 
ورغم الحب الذي كان يكنه غسان كنفاني إليها ، ومعاناة المستحيل الذي يسلّي نفسه به إلا أن هذه اللعبة مكررة على ألسنة الرجال ، ولأني صرت مهووسة بقراءة أسرار الأدباء في رسائلهم ، ومهووسة بقراءة كل الرسائل فلم يكن الحب فيهم إلا نسخة مكررة بذات الحب والمعنى والكذبة المتدلية على لسان حروفهم ، التمست في جميع الرسائل الوجه المشوه نفسه ، وسأصطنع الرزانة و( الحياد) كما تلتف غادة حولها في نشرها لرسائل غسان إليها وأبدأ منذ البداية :
كان حيادها فاضحاً لدرجة وقوعها في الرثاء والحسرة مراراً في طريقها إلى سطوره..وتعترف قبل كل شيء ” قد لا أريد أن أتذكر كي لا أجرح الحاضر ، ولكنني لا أستطيع أن أنسى كي لا أخون ذاتي والحقيقة معاً “ 
إلا أنها لم تدرك هذه الذاكرة إلا مؤخراً ، كأي شيء جاء فجأة وغاب فجأة لتعود الذاكرة بالتفاصيل الممقوتة . 
لست هنا لتقييم الواقع الرسائلي بينهما أو واقع غسان إليها فقط وذلك لأنها لم تنشر رسائلها إليه بحجة أنها في حوزته ، أو في حوزة من ورث ما يملكه غسان بعد موته ! 
مات غسان ونُشر حبه وتنفس أنفاس القارئين دون أن يقرر من سيفضح حبه هو أم هي أعني غادة ، فقد اتفقا على نشر رسائلهما حينما يترك أحدهما للآخر حياة شاسعة ومتنفس آخر لحب آخر ، العجيب في ذلك ضمان أن ذلك لن يكون إلا بالموت وليس الموت كل نهاية ، فقد تكون هناك نهايات ساذجة وحاقدة وكاذبة في الوقت نفسه ، لكنه لم يدر بخلد غادة أنها ستكون الأمينة على رسائل غسان المنتقاة رغم مبرراتها بأن بقية الرسائل احترقت في بيتها الذي حرق في لبنان !!
غادة ترفض الانغلاق التقليدي كما تقول ، وترفض ما فعلته صديقتها الأديبة من نشرها لرسائلها ورسائل أديب إليها بعدما أدخلت مقص الرقيب العرفي وضمنتها باسم أخرى حتى لا يتنكر لها أو ينكرها أحد ، وكانت غادة ترى نفسها بغرور أنها فارسة الميدان الأدبي وحازت على شهادات الشجاعة لأنها كسرت حاجز التقاليد ولأنها ليست إلا حفيدة لولادة التي أحبت وكتبت الشعر دون حد ، وهذه بحد ذاتها تعد نقصاً حيادياً بين القصَّ والنقض على حد سواء , فإن ذلك ليس انطلاقاً في المسار الصحيح وهذه من أولى المناكر التي لا يرضاها من يحمل مبدأ ، ولن نغفر ذلك , ولن نؤمن به ,غير أننا في ساحة انطباع عن رسائل معذب إلا معذِّبة ! 
الرسالة سحراً أبيضاً لا أسود ، يتحول فيها المرء إلى رقعة ملساء نقية اسمها الورقة وتخط الروح فوقها رموز الصدق ” أدركت غادة صدقاً في رسائل غسان بعد عقدين من وفاته ، ولا عدل في حرق قلب وتفقد آثار رماده بعد عواصف النسيان ، ولا عدل في الصدق البريء ، يقابله الخداع والمكر بالطبيعة الماضية ، قد لا ندرك عمق الغدر في حفرة الظلام حتى نتأذى باللسع المتواصل من ثعابينها المختبئة ، ولا تردم ذاكرة السنين حجم هوة القبح الذي ظهر فجأة تحت عشب الكذب المتستر ! 
المرأة توجد مرة في عمر الرجل وكذلك الرجل في عمر المرأة وعدا ذلك ليس سوى محاولات تعويض ” قالها غسان وهذا بالضبط مالايمكن أن تعوضه صنوف الأشكال المتكررة ، وعدا ذلك ليس إلا شتات أو تورط في وهم وصورة تنتهي بفاجعة الحقيقة الفادحة والتي لا تعدو كونها وجه ثعبان ، أو قرصته !
 
 وبدأت غادة في تشريح حب غسان لها فخورة بأنه يزيد تعلقاً كلما ازدادت صدا ، فخورة برفضه للوسط الذي لا يدنيه منها ولا يقصيه ، فخورة بالذل الذي كانت تهديه إياه على طاولات السهر أمام أصدقائه ، رغم أنها لا تدري كما تقول لم تفعل ذلك ، فيبرر لها بأنها مخدوشة بشكل فادح فصارت على حذر من خدش جديد ، وما ذنبه هو أن تعاقب مجرميها على قلبه هو فقط ! 
كانت رسائله سرداً متألماً ، في صوته بحة الحزن ، وجاء تعليقها صاعقاً له تراقص المرح رغم الحزن النرجسي الذي تملكه ، إلا أنه جاء صوت رسائله مكروراً في أصوات كل من يكتب رسالة ، كأنما خرج جميع الرجال من ذات الرحم الكاذب المهووس بالتقديس الموقوت ، والحب الموعود ، وقد قرأت رسائل الأدباء فلم تخرج من حدود الكذب الممنطق باللفظ ، والمنسي في أقصى لحظات الوقت ، ودعوني أنتحل ثوب النصح لعلمي بعلم الرسائل الأدبية :) لجميع النساء ؛ الرجال دجالين ، رسائلهم كذبة ، وذاكرتهم هشة ، يقولون مالايفعلون ، وكلامهم مكرر لكل مصادفة ، فيها كذبة الرسائل وأصحابها :)  
ورسائل غسان ساخنة حتى الأخيرة الفاصلة حين رفض كل شيء حتى حبه لغادة رغم أنه موجود ، وكتب شكاية لأخته فايزة لكنه حوَّل اليد التي من المفترض أن تكون هي المستلمة وهي كف فايزة إلى كف أخرى هي الضد لهذه الرسالة ،  حيث أوصلها بنفسه إلى غادة !وهي الرسالة العنيدة الفاضحة التي يشكوها إليها باسم يحبه وهو اسم اخته ، إنه جنون الغضب الذي يعقب ليلة كاملة في انتظارها وهي في صحبة صديق آخر !!!

كنت أريد أرضاً ثابتة أقف فوقها على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء ، والآن كنت أمشي على رقع الجليد تلك وليس كل ما كتبته وكل ماقلته في حياتي كلها إلا صوت تهشمها تحت الخطوات الطريدة “ 
من رسالة غسان الأخيرة ثم مات متفجراً بقنابل إسرائيلية ، وهكذا ينتهي كل شيء ، غير أن الموت لم تكن نهايته الوحيدة ! 

وتبقى الرسائل فخاً غادراً ..

بعد الانتهاء من قراءة رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان

Advertisements

4 thoughts on “فخ الرسائل !

  1. هناك رسائل منطوقة لم يسمعها أحد، وأخرى مكتوبة مكتومة لم يطلع عليها أحد.. وليس كل حب كحب قيس ليلى إلا من كشفت أستاره المقادير، وليس كل العشاق في جرأة غادة.. وأكاد أجزم أن هناك قصص تحفظها أقفال المواثيق، كميثاق غسان، غير أنه بلا أمد!

    • تبقى الرسائل المنطوقة حروفها تنسجها لغة الصوت , لها نبرة الصدق وفيها تنكشف مخابئ النفوس ..
      وأما الرسائل المكتوبة والتي هي لعبة الأدباء التي أحبوها , وكتبها عنهم التأريخ .. وهي المختبئة تحت طيات النفوس
      فقد يجيد بعضهم الكذب في التفاف المشاعر , وقد لا يجيد بعضهم إلا الصدق الواضح في منحيات الحرف ..
      وغادة لم تنسج قصة الحب إلا لولوعها بالأدب , أحبت لتكتب الأدب فقط للأدب واعترفت بهذا في اعترافاتها الضمنية لبعض رسائلها ..
      أستاذي أبو العتاية ..
      سعيدة جداً بإطلالتك , وتعليقك الفاخر ..
      أفخر بوجودك فمرحباً بك سيدي ..

  2. من يومين فقط انتهت من رسائله اليها ورسائل ياسمينها ,,
    رسائل عاشت في الخفاء حينا
    لتتقِد شموعا بعد حين
    واعترف نعم اعترف
    بأنها فتحت آفاقي للبعيد البعيد

    مثلها انصحكِ برسائل جبران الي مي زيادة في مسمى
    ” الشعلة الزرقاء ”

    كل الود واطيب المُنى

    • قرأت الشعلة الزرقاء
      وما أستغربه يانور في رسائل الأدباء
      الاختلاف الشاسع بين الأديب في أدبه والأديب في رسائله والأديب في مواجهة حبه الحقيقي
      لا أخفيك أنني فتنت بجبران أولاً
      وحينما وقعت في ورطة أدبه تراجعت عنه صدفة الوقوع القسري إثر قراءة حب ..
      وقد كتبت عن الشعلة وسأضيفها بإذن الله خلال يومين
      كوني على مقربة من هنا ..
      حتى أطمئن إلى فجرك

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s