العدوى الفكرية و الأخلاقية


.

.

حينما لم أكن أرتقب شيئاً شاهدت حلقة درامية دون سابق انتظار , لمجتمع مريخي جاء إلى الأرض وفي إحدى (الحواري ) حصلت لهم النكبة الغريبة باجتماعهم المستمر مع مجتمع البشر الذي أنِفُوا منهم عاداتهم وأساليبهم في (تمشية حياتهم) حتى ضاقت بهم الحال من الطريقة البشرية في ممارستهم للحياة بأساليب أخلاقية خاطئة جداً تسببت في تفكك تركيبتهم الآلية وأصبحوا يبحثون عن (سطحة) لتحمل فتات أجسادهم الالكترونية , وتعيدهم إلى أرضهم بخيبةِ أنهم لا زالوا في نفس مستواهم التكنولوجي وغيرهم من بني مريخ تطوروا وتحولوا إلى أجهزة ذكية كالآيفون والآيباد مثلاً , كانت هذه الحلقة رائعة وغريبة وخيالية بعض الشيء, و أدركت بعد مشاهدها كم هي العدوى الأخلاقية مضرَّة بالصحة , وكم هي حجرة عثرة عن التقدم الأخلاقي والمجتمعي ..

تعاني مجتمعاتنا من الأمراض الدخيلة على شعوبها بشتى طرقها ومن الثقب الذي تتسلل منه جراثيم التفكك من مجموعات دخيلة تبقى في انتظار احتضان الفيروس في جسد المجتمع حتى يستشري ويتحول من فيروس يسهل القضاء عليه إلى ورم لا يقضي عليه إلا ببتره تماماً أو يموت دونه ,و كما هو حال الثقافات المضادة للدين حينما تدخل للمجتمع بهيئة بسيطة في (قروبات) بسيطة فيتجاهلها المجتمع بحجة قلِّتها أو تحقيراً لشأنها فلا تزال تكبر وتكبر حتى تكون الوحش الضاري فينهش مبادئ هذا المجتمع ويحوله من حمَل وديع إلى وحش كاسر مثله , وهكذا تنتقل العدوى من مجتمع إلى آخر ومن جيل إلى جيل , تصديقاً لـ ” من عاشر قوماً أربعين يوماً صار منهم” وليست المسألة محدودة بالزمن إذ أنها قد تقل أو تزيد ولكنها محددة المصير الذي يكون في نهايته تغييراً جذرياً لهذا المجتمع وتبديلاً لأصله , وتتحول من عدوى فكرية مرضية إلى عدوى عملية مرضية تنتقل بالتقليد والتجربة ..

وهذه الأمراض الاجتماعية والأخلاقية العضال هي سبب تدهور الأمم لأنها المرض الذي يقصد العقل فينقض أفكاره عروة عروة حتى ينكشف المجتمع عن عقل خاوِ مفتَّت , ولابد أن يكون في الجسد مناعة توازي المرض أو تضاهيه فهي تتّحد لنزع الجسم الغريب الذي دخل عنوة إلى محيطها الآمن , و لا تزال به حتى تفنيه فيعود الجسم صحيحاً أو ينهيها فيعتل الجسد ويذوي مريضاً حتى يموت , ولا تكون هذه المناعة إلا مناعة دينية قوية بعلم موثوق وأمر بالمعروف ونهي عن منكر هذا الفعل الدخيل , ليعود الجسم صحيحاً غير معتل , ويتماثل للشفاء فينتقل من الشفاء إلى الصحة إلى القوة , وهي المراحل الواجبة لأمةٍ أفرادها هم خلايا حياتها..

وكما لا يخفى على أحد كيف أكل النخر المجتمعات من الداخل , والمبادرات العلاجية والإسعافات الإصلاحية أقل بكثير من انتشار المرض وتفشّيه , بل وقد تنتكس بعض جهات الإصلاح أو تُسكَّت وتُقمع فيختل ميزان الأطراف صاعداً من جهة المرض نازلاً من جهة العلاج فيختلَّ توازن المجتمع الأخلاقي ولو كان هذا سبباً إلا أنه لا يبرر التقاعس لأن الوقاية الفردية على الأقل تساهم في الصحة الاجتماعية والأخلاقية , وتغير مسار المجتمع وتنقله من درجة إلى أخرى ومن مستوى إلى آخر, العجيب في واقعنا المعاصر أن الجميع يلقي بلائمة أعماله إلى غيره دون أن يتنبه ما الخطأ الذي لا يُسأل أحد عنه غيره وكيف يعالجه ..

فلو تصورنا مثلاً مجتمعاً صحيحاً من الكذب , والربا , والرياء ….. محتقناً بالإخلاص والصدق والتعاون .. لانفتحت المجتمعات على مسارات النور , وولد في جوانحها الضحى , لكن الواقع مشحون بأمراض أخلاقية معدية وسريعة الانتقال يجب فيها الوقاية قبل المرض أو المبادرة بالعلاج بعد المرض .. وكل فرد مسؤول عن صحة الأمة ومرضها , واقف على ثغر من ثغورها ..

Advertisements

14 thoughts on “العدوى الفكرية و الأخلاقية

  1. مساك الله بالخير والنور
    نعم معلمتي الفاضلة
    كلنا نقف على ثغر من ثغورها
    لكن للأسف ينقصنا شيء
    لست ادري كيف اترجم الامر
    ولكن اجدني اراهم في قمة التماسك فيما يختص بعقيدتهم رغم أنها عقيدة كفر وزندقة , في حين أننا أهل الحق في تراخي مستمر و لين مفرط وكأنما نحن أهل مرفأ تجاري آمن أمنوا على أنفسهم فكل السفن تمر بهم محلمة وتذهب محملة فأهملوا صيانة المكان فما لبثت ان إجتاحته التصدعات و انهارت السواتر ليغزوهم موج شديد يحيل أمنهم إلى خوف وعويل ,,,

    نسأل الله أن يهدي الامة ويزيل الغمة

    لك مني تحية عبيرها تقدير واحترام

    • مرحباً أخير غريب
      ومساؤك خير وبركة ..
      وقد وقعت على الجرح .. أن التمسك والتماهي والإخلاص في التمسك تكون لأهل الضلال , وأهل الحق يتباطأون عن ذلك كأنما أمنوا على أنفسهم إلى الأبد ..
      كما أرى في الشيعة يسعون حثيثاً إلى تبليغ ضلالهم والانتصار لباطلهم كأنما هو الحق البين الظاهر ..
      وإنه يصيبني غيرة شديدة حينما أرى تفانيهم في إظهار مبدأهم وتراجع أهل الحق عنهم درجات في التبليغ ..
      لكن .. إن هذا الدين لا ينتصر بالرجال إنه ينصر الرجال ..
      نسأل الله أن يهدينا إلى الحق وأن يصلح حال الأمة ..
      إطلالتك ثرية كما أعتاد ذلك منك .. ومرحباً بك بعد الغياب الطويل هنا وفي مدونتك ..
      لا أسكت الله لك قلماً في الحق ..

  2. في الواقع الراهن من الصعب قراءة ما يدور ، رغم أن البوصلة تشير إلى ندبة جُرفٍ هار ، نتذكر كلما رأينا مثل هذه الثقوب الضيقة التي يتطاير منها الشرر ، حديث الرسول عن آخر الزمان ، ولا نستطيع الجزم به ولو أن كل زمان شرٌ من الذي قبله ، و الأيام دول ، والحيّة العلمانية شقت طريقها ولا كابح لها فيقطع رأسها إلا الله ، نكره اللا لون ، اللا وجهه ، اللا وضوح ، ونقشعر ألماً على حال الأمة ، وحالها بيد الحفيظ .. زادنا الله إيماناً به وصلاحاً ، فلسنا أخيراً إلا عباداً لله أمرنا عبادته وعبادته فقط ، لا أن نثقب هنا وهناك .
    أشكر حرفك الذي ينبض في عروق الحال .

    • مرحباً أستاذي شخص , وكم أنا سعيدة بإطلالتك الرائعة ..
      الواقع صار أضيق من تأمل , والتأمل فيه ترف نقضيه لإزهاق الأمل .. والفتنة اعتلت الحياة وصارت بين المرء وما وثق به ..
      لكن كلما ضاق السرداب ففي نهايته الفرج ..
      والله مع اللذين اتقوا والذين هم محسنون .. نسأل الله أن يقر أعيننا بالفتح والنصر والتمكين ..
      وأكرر شكري لك أستاذي وكم اشتقنا (والله) لقلمك النابض بالحق في زمن نحن أحوج فيه إلى تبيين الحق ..
      أسأل المولى أن ينفع بك الإسلام والمسلمين

  3. تحياتي لشخصك الكريم … تناولت واقعاً علينا أن نتعايش ولعلك بهذا الطرح تضعين كلمة على الجرح وأخرى لمداواته ، ولهذا بعث الله تعالى الأنبياء وأرسل الرسل عليهم الصلوات والسلام ، ألم يرد عن نبينا العظيم إنما بعثت لأتتمم مكارم الأخلاق أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، أي أنه هناك أمور إيجابية وآخرى اقتضت سنة الله تعالى أن تكون وكان الأنبياء والرسل لتصويب الطريق أمام الناس بحسبان سلوك أحد طريقي النجدين ، وبالتالي المسألة تعود لبدايات وجود الإنسان على هذا الكوكب . بل إن التدرج الأخلاق بدأ مع الإنسان حتى وصل إلى مانعيشه اليوم من حراك وعرك وقطيعة ، حراك إيجابي يقوم به أهل العلم الراسخون في العلم ، وأهل التنوير من مفكرين وأدباء ومثقفين (جادون) وأحسبنا منهم ، وأيضاً عراك من أجل زعم الأسبقية في المثل الأخلاقية وقطيعة للأسف وصلت بالعض حتى مع الدين ، وبالتالي ليس كل مايحدث شراً دائماً فالخير موجود وإن بدت سطوة الشر أياً كان مصدره من يزعمون التدين الحق أو التنوير الأخلاقي أو الاقتصاد العادل أو العدالة الاجتماعية يظل هناك من ينشد الخير إلى يوم القيامة .
    آمل أن أكون قد أضفت إلى ماطرح بعمق تشكرين عليه . راجياً لك التوفيق دوماً .

    • مرحباً بالمفكر تركي ..
      بالطبع في كل مجتمع جانبين صالح وطالح وأيهما تثقل كفته طاش بالآخر .. وبالطبع في مجتمعنا الأخلاق العالية
      لكنها لا تسود كل المجتمعات إذ أن الأخلاق السيئة والتي هي تبعاً لهوى النفس وشهواتها هي الفيروس المعدي
      لأنه قد يجد في النفس مستقبلاً له ومناعة شبه منعدمة فيتمكن ..
      والأمر هنا تكمن في وجود المرض ووجود المناعة لكن تكثسف المناعة والإهتمام بجانبها قد لا يمكن المرض البتة وقد يمكنه لكنه سرعان ما يطرده وهذا ما يسمى بضعف النفس الذي لابد أن تقوي مناعتها ضد الخلق الدخيل حتى لا يتمكن ..
      لو تصورنا بأن الأخلاق الممنوعة دينياً وعرفياً فيروسات لأمراض جسدية وليست نفسية أو مجتمعية لحاولنا الامتناع عنها والتزود بما يطردها ..
      ولا أنفي أبداً وجود الطيب ولكنه الإختلاف المشروع وليميز الله الخبيث من الطيب ..
      أستاذي تركي .. لفتاتك جداً ملهمة ولها طريقتها في النظر الشمولي لأي فكرة ..
      أنا سعيدة جداً لحضورك ..

  4. وكل فرد مسؤول عن صحة الأمة ومرضها , واقف على ثغر من ثغورها .. هو ذاك وكل منا مطالبٌ أن يرمي بسهم وأن يشارك بقدر ، وإنني حينما أفكر فيما قلت أنتبه لأي حد نشكل البيئة القريبة منا عاملا فعالا في تشكيل هوياتتنا، وتشكيل مصير الأمة ككل .
    مهما كان همة أي فرد وحماسته للتغيير للأفضل فإنه حال إصطدامه ببيئة مناقضة لهذه الأفكار موبوءة بشتى الأمراض التي ذكرتها يجد حماسته ذابت كملح في ماء هذا إن لم بنجذب هو نفسه ليخوض مع الخائضين .
    موضوع شيق ومفيد..شكر الله لك
    أمنيات بخير

    • سيدي محمد ..
      سؤال له أبعاده التي تتفتق عن عقل مستنير “لأي حد نشكل البيئة القريبة منا عاملا فعالا في تشكيل هوياتتنا، وتشكيل مصير الأمة ككل”
      البيئة لها تأثيرها طبعاً وهي المثر الأول حتى على ثقافة أهلها بغض النظر عن التصحيح الواجب عليهم , فكما يرى مالك بن نبي أن نفس الثقافة لو تطرح على مجتمعين ببيئات مختلفة سيكون طريقة التلقي لهم تختلف .. إذن فهي المحيط الملامس للفكر لكن لا نجعلها هي الحاجز عن التغيير لأن هذا سيقلل من فكرة التغيير من الأصل وستكون هي المبرر الوحيد لعد التقدم في أي مجال , صحيح لها تأثيرها لكن المجاهدة قد تزيح شيئاً من واقعها وترتقي المجتمعات ..
      ونسال الله أن يثبتنا على الحق وأن لا ننجرف مع تيارات مناقضة وأن يهدينا إلى سواء السبيل ..
      أستاذي محمد جهة أخرى أشتملها ردك فكان بلا شك مكملاً للفكرة الأصلية .. كم أنا سعيدة بتعليقك

  5. الأمراض الدخيلة وجدت الأرض الخصبة لنموها وتطورها,
    بسبب الحماية التي تأتيها من القبطان أوالطاقم الذي معه.
    فهم الذين سمحوا أو أدخلوا هذه الفيروسات ووفروا لها الحماية في المجتمع,
    لتجعل أهل الخير والصلاح في صراع دائم مع هذه الأمراض التي يحقنونها في جسد المجتمع
    ليشغلوا المجتمع بنفسه ويبعدونه عن التفكير في قيادة السفينة ..

    ويحضر في ذهني الآن وأنا أكتب هذا التعليق قصيدة أبو البقاء الرندي
    لكل شيء إذا ماتم نقصان … فلا يغر بطيب العيش إنسان

    ::
    أختي أمل ../
    داهمتني أثناء قراءتي لهذه التدوينة مشاعر سلبية,
    مع أنني لا أحب السلبية وأدعو بالتفائل , لكن هذه المرة كانت السلبية تعصر قلبي,
    ربما السبب لأنني كنت اتابع مقتل الطفل السوري فداء ..رحمة الله ..
    وربما أن الأخبار كلها كانت سلبية فلا شيء جميل في الصحف هذه الأيام ..

    رائعة الفكر , وشكرا لكِ .

    • أخي فيصل ..
      فعلاً الأرض الخصبة هي التي سنحت لهذه الأمراض أن تنتشر وتستشري ..
      وأما مشاعرك السليية أظنها الطاقة المشاعرية التي نقلتها لك الحروف لأني كتبتها وأنا أحمل مشاعر سلبية عالية
      وكما تعلم فذبذبات المشاعر تنتقل بالعدوى أحياناً 🙂
      وأما ما رأيته فقد نقلت لك مشاعر الحزن والخيبة ..لأنها ذات المشاعر التي تداخل كل مسلم يرى الظلم الواقع حتى على الأطفال
      ولكن إن نصر الله آت ..
      أخي فيصل أسعد كثيراً لثرائك في تعليقك ..
      وأشكرك جزيل الشكر على متابعتك ..
      كن دائماً هنا

  6. أختي الحبيبة

    زرع القيم هو وسيلة للإرتقاء بالأخلاق والسمو بها
    ولو عاد الناس لجذورهم ولكتاب الله وسنة المصطفى
    صلى الله عليه وسلم لتغير المجتمع ولو لم يتتبع كل
    مجتمع غيره ويقلده في كل شيء لما فقدت الأخلاق
    ولكننا مهما نحدث لن نحصل على المجتمع المثالي
    وهذه سنة الله في الكون لكن كل يبذل جهده ويغرس
    بذره ليحقق النهوض به والوصول به إلى الرقي ..

    حفظك الله وبارك فيك

    • مرحباً خولة ..
      مابعد لو هو مربط الفرس , إذ أننا صرنا في مجتمع يجتهد بعض اناسه في إبعاده
      عن الوحي والهدي النبوي , ونحن لانريد المثالية ولن نصل إليها ولكننا نريد
      الاتزان في التعامل في لأخلاق في لأسلوب في التفكير في الحرية حتى في المرض الفكري نريد
      اتزاناً مرضياً لا يوصلنا إلى الدركات السفلى في القيم .. وكما رأينا في مثال كاشغري الذي مرض عقله
      تأثراً بأفكار وأشخاص معادية للدين والوحي ..
      أختي خولة جاء الضوء معك في مداخلتكٍ .. لهذا أنا سعيدة وأتمنى
      أن أراكٍ مرة أخرى

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s