وصفة علاج عند اللزوم !

لا أفهم الحل السحري الذي جعلت منه وصفة فعالة في التخلص من وساوس النفس , وأنّات الغموم والهموم التي يعاني منها أي ساكن على هذه الأرض , ولا أستطيع أن أصف للاتي يأتين إليَّ ليشتكين من همومهن الشاهقة أو البسيطة وحاجتهن الملحّة في الـ(فضفضة)إلا بأن أقول لها ” ابدئي بالكتابة “الكتابة حل أمثل لأن تتخلصي من غواية الشياطين , وتغلقي أبواب الممرات التي تأوي منها إليك ..!

لكن الحل السحري كما أصفه لهن لا أجدني أنا أمتثل به بطريقة مثالية تستحق أن أصفه بالحل السحري , على الأقل خلال سنتين جعلت من الكتابة كتابة فعلية لكنها لم تفعل أبداً الفعل السحري في التخلص من الترسبات التي تخلِّفها الذاكرة كلما استضافت نفسها على طاولة الحاضر , ولو كنت أحاول أن أفعل ذلك إلا أن أصابعي تخونني أمام دفتر وقلم أو حتى جهاز يستطيع أن يتقبل ترفي في الحزن أو الفرح حينما أود أن أكتب فعلاً لأتخلص , وكما سئلت مرة : هل تملكين أوراقاً سرية ورسائل لا يطلع عليها سواك . فلم يكن جوابي إلا بالنفي  كما يتوقع أي سائل يجيء بسؤال ضخم كهذا ,  فالكتابة طقس خارج الحدود المنطقية , وجاءني سؤال آخر أيقظ فيَّ زهداً مبتذلاً بالكتابة في الذات الذي جعلني أحاصر أسئلتي بإجابات مسبقة , وتعثرت وأنا أقرأ: ماذا عن ظل الحروف تحت أصابعك ؟

ماذا تفعل أمام سؤال شاهق كهذا , يتحسس الظل خلف كائنات الكلام الواقفة تحت الشمس؟! إرهاصات انفجار كلامي تكاد أن تقول وما صنعت الكتابة في زمن لم يعد الكلام إلا سلعة متداولة يزهد فيها المناضلون عن الحقيقة , وتحتشد الحروف نفسها في حشود اعتصامية بين مباني السطور احتجاجاً على زمن الكلام الرخيص ..!

وتضخمت الفكرة ووجدت تربة خصبة في فناء عقلي منذ فترة لا أحسبها طويلة , حتى كادت أن تطمس كل الأشجار التي نبتت إثر الكتابة , وتقطع عنها كل موارد السقاية الحرفية , حتى تموت عطشاً  , وقد أفقدني مكوثها شهية الكتابة , واستحضر الكآبة بشتى أشكالها , ووقفت على عتبة الانتظار لنهاية لابد أن تتكون كفعل مقاومة جبانة , كأني أريد بطريق ملتوية أن أحقق الكآبة التي وصفتها مي زيادة بأنها “خاتمة شعور الإنسان إزاء الجمال والقباحة , والخير والشر , والعدل والظلم ,والكره والحب ,والفوز والخذلان, إليها تنتهي حركات التأثير في جميع حظائر النفس كأن لا شيء وراءها سوى المبهم والمجهول “

وماذا أصنع أمام فكرة توجستُ من استقرارها في نفوس من يأتين للشكاية فوقعت أنا فيها , كأنما صرت أضع لها اللوحات الإرشادية التي أهديتها إلي أنا , في حين كنت أناضل في إبعادها عن الأخريات , وأشرح لهم أن لا يتقيدوا بطقس كتابي إذا فقدته فقدت الكتابة , ولا بنوع فاره لورق , أو نوع خاص لقلم , فالألم لا يتحيَّن فرصة الكتابة حتى نكتب ,ولا يعرف أن ينتظر عند حافة ورقة كي نتهيأ لدخوله عالمنا الكتابي , إنه يأتي بغتة كما يغادرنا بغتة , تماماً كالفرح والحزن والجمال والحب , وكل الأشياء التي تلتصق بالنشرات الجوية الداخلية التي لا ترصدها المراصد الفلكية ..

وكما توقفت مرتين عند سؤالين عن الكتابة , حتى جاءني الحديث الأخير عني والكتابة , فأعلنت الشبهة التي أخبئها كثيراً ” حينما أريد أن أكتب أشعر بأن داخلي روحاً أخرى تتلوى كالحية وهي تعتصر على فريستها الكبيرة لتحشو بها الكيس الجلدي الذي تحتسبه جسدها ”  وفي دهشة هذه الإجابة العنيفة ذكرت ما قالته غادة السمان ” ما أحلى الكلمات التي لا نقولها عندما نحس أن الحرف عاجز عن استيعاب انفعالاتنا “..

فهل الكتابة تستحق منا كل هذا الاهتمام ؟

اللذين وصفت لهم الكتابة كوصفة علاجية يبدو أنها وصفة فاشلة .. لكنها أحياناً مجدية فاستمروا بتعاطي الدواء عند اللزوم ..

.

.

Advertisements

10 thoughts on “وصفة علاج عند اللزوم !

  1. كتابادول إكسترا من أفضل الوصفات العلاجية لأولئك الذين يريدون الصراخ ولايجدون فضاءً يتسع لموجِه ولا آذاناً يمكنها سماع تلك الترددات العالية للأحاديث الصاخبة داخل النفس التي تتجادل مع نفسها لتشكل الشخصية في التحليل الأخير .. أبداً هي ليست وصفةً فاشلة .. ولكن مدى الصراحة مع النفس ومواجهتها بحقيقتها وشرها ونقصها وما فيها من عيب هو الأمر الذي يتوقف عليه نجاح وصفةٍ حكيمة كهذه .. فالكتابة تستفرغ الشعور وترتب فوضاه وتشرح تركيبته وتفسر الصراع الناشيء بداخله .. وكلما نظرنا في أنفسنا أكثر تعجبنا من الصنعة وذهلنا من عظمة الصانع وأنه اللطيف الخبير سبحانه كيف خلق هذه النفس وكيف سواها ..
    وأنه ألهمها فجورها وتقواها .. وأنها تزكو بالعلم والأخلاق الكريمة وبذكر ربها وتقواه وحسن عبادته .. وتَدْسو إلى أسفل سافلين بابتعادها عن نور ربها وتظلم بكراهية الحق وتمتلأ ضرورةً بالشرور !!!.

    • ما الذي يمكن أن يحدث لنا بسبب الكتابة ؟
      سؤال أشعرني برهبة الإجابة , لا يعني أنه لا يعرف كيف يجيب , لكنه صار في زمن ضاعت الإجابات منه ..
      دعني هنا , أمتثل للكتابة كإحدى المتورطات فيها ..
      فهي وصفة للذين يريدون الصراخ ولا فضاء يستوعب أصواتهم , فيكتبون ..!
      ماذا لو أفقدتهم الكتابة أيضاً أصواتهم , وأهدتهم بحة الصمت حتى على الورق ؟
      تناقض أن تقرأ مثل هذا !!
      لكن .. هي القرارات التي نقررها في المساء فيتأني الصباح بفجأة الشغف والعودة
      المحمومة للكتابة , كأننا لم نقرر في غفوة ليلة فقط ..

  2. تحياتي لشخصك الكريم … لعل أقرب مثل ينطبق على هكذا حالة … يداوي الناس وهو عليلُ … فمنذ أن كتبت أول حرف وأنا حائر أمام أمرين لاثالث لهما … من يكتب الآخر أنا أم قلمي أم (فارتي) حلوه فارتي … إن من وجد في الكتابة ذاك الأنيس والرفيق الصادق الصدوق … قطعاً متى قدرها حق قدرها … لن ينفك في صراع يعتلج في دواخله … فالكتابة دواء لكاتبها ووصفة لقارئها … ولهذا الطيبيب يكتب الوصفة لمرض لايكابده … والمهندس المعماري يرسم بيتاً لن يسكنه … والأستاذ يربي ويعلم طفلاً ليس إبنه وشاباً قد ينكر فضله وشيخاً يريد أن يمحو اميته … والمفكر والأديب والشاعر والكاتب الصحافي وحتى كاتب المعاريض أمام الجوازات والبلدية يكتبون لمطامع شتى أقلها لإمرأة لاتعرف كيف تخاطف علية القوم … جميعهم يكتبون بحسبان أنهم يفيدوا ويستفيدوا … لا أخفيك أنني كثيراً ما أمر بهكذا وضع وأعاني من أن أكون قد وقعت في شراك التناقض أو التلبيس والتدليس لاقدر الله على قارئي الكريم … إلا أنني استقريت على أن الكتابة هي الضمير الحي عندما يقع الضمير الداخلي في الأسر والله المستعان … الفاضلة أمل بنت شبلان أنت موجعة في طرحك وتدوينك كلوحاتك الشعرية والمرسومة تذهب بالمتأمل فيها إلى مساحات لايكترث لها إلا من وهبه الله الحس المرهف والنفس الطيبة والتوجّع بالنيابة .. حفظك المولى ومن نجاح إلى آخر اللهم آمين .

    • الاسئلة سيدي تركي تتركنا على عتباتها وتغرق في سراديب الضياع
      من يكتب الاخر نحن أم الاقلام ؟
      كما سأل أحدهم مرة : من منكما مدين للاخر نحن أن الحروف ..
      فتكون السؤال الضخم الذي قلته ونحن لا نخرج من ثمانية وعشرون حرفا فقط ؟
      وهذه معجزة الكتابة ، ونحن المتورطون فيها ، والمحمومون بها إلى آخر الوجع …
      الوجع الذي يتسرب إلى مانكتبه ونرسمه ، فقد اعتقدت أنت هذا وأنا آمنت به 🙂
      سيدي تركي
      كثير أنت بحضورك
      وتعليقك الرائع 

  3. هو ما يحدثُ يا أمل..برغم كل شيئ تبقى الكتابة العلاج التحفظي الوحيد والداء في ذات الوقت، تبقى الإدمان الذي لا نتمنى أن نُشفى منه كما تبقى المسكن لكثير من أوجاع الصباحات الكئية والأمسيات الحزينة و ووجع الروح ما بعد منتصف الليل. المشكلٌ أن الكتابة تستمد سٍحرها من هذا الغموض الذي يكتنفُ تنزلها على أروحنا،لا تعترف بأي طقس كتابي نحاول أن نكبلها بها، لا نوع الورق ولا المحبرة يستطيعان أن يقومان بتصنيع الكتابة.على العكس تماما كثيرا ما أفشل في إتمام سطر ما عندما أحاول أن أهيئ المسرح للكتابة ، لا أفخر الدفاتر ولا أغلى الأقلام إستطاعت أن تصطاد لي حرفا ما مميزا أو قافية.
    لكي أمينيات بعام مميز ومهم على النطاق الشخصي وعلى صعيد الكتابة

    دومي بهذه الأناقة حرفا وفكرا

    • كما جاء في قصيدة أحمد مطر :
       
      جسَّ الطبيبُ خافقـي

      وقـالَ لي :

      هلْ ها هُنـا الألَـمْ ؟

      قُلتُ له: نعَـمْ

      فَشـقَّ بالمِشـرَطِ جيبَ معطَفـي

      وأخـرَجَ القَلَــمْ!

      **

      هَـزَّ الطّبيبُ رأسَـهُ .. ومالَ وابتَسـمْ

      وَقالَ لـي :

      ليسَ سـوى قَلَـمْ

      فقُلتُ : لا يا سَيّـدي

      هـذا يَـدٌ .. وَفَـمْ

      رَصـاصــةٌ .. وَدَمْ

      وَتُهمـةٌ سـافِرةٌ .. تَمشي بِلا قَـدَمْ !

      ……
      وللكاتب لسانان ويد وموج مقتحم من المشاعر
      وكلما تفرغ من شيء عاودته الأدواء والأدوية ، وتناقض مع نفسه من حيث أراد أن يصطلح معها ، ولا أعتقد بأن هناك من عرف القلم وقرر ولم يقدر أن يترك ما تنفس به أخيراً وخنقه أيضاً ..
      دمت محققاً لأحلامك سيدي

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s