المجتمع المدني

يتبع للموضوع السابق ( الأقنعة الثلاث )

القناع الثالث : المجتمع المدني

.

المدنية بالصفة العامة التي يفهمها الجميع هي الأمور والقضايا الدنيوية  , وهي تقع في موضع التقابل مع الدين , والمدنية بمعنى أوضح هي الحضارة والتطور بكل أشكاله , بغض النظر الآن عن توافقه مع الدين أم لا .

أما المجتمع المدني : فبمعرفة معنى المدنية قد نعرف المجتمع المنتمي إليها , وهو المجتمع الحضاري والمتطور , إلا أن الحقيقة التي وصفها الدكتور عبد العزيز كامل : ” أنه مفهوم يقوم على فكرة ضمان الحقوق والمصالح للأفراد على أساس العقل البشري والقانون الوضعي لا على أساس الوحي الرباني والتشريع السماوي “

ومنذ اندلعت الثورة على الكنيسة في أوروبا بحكم أنها وقفت ضد التطور الأوربي, نشأ هذا المفهوم بل ونشأ التقابل الضدي بين ما هو ديني يتبع الكنيسة وبين ما هو دنيوي ينفصل عن الكنيسة , إذ أن هذه الثورة كانت ثورة علمانية تنادي بفصل الدين عن الدولة , بفصل القضايا الدينية عن القضايا المدينة , وماكان مع الكنيسة فهو ديني وما كان ضد الكنيسة فهو مدني (علماني)

وهذا الفصل الواضح بين القضايا الدينية والمدنية تماشى مع المجتمعات الكنسية لأن الكنيسة كانت تعيش صراعاً مع العلم , أودى بهذه المجتمعات إلى العيش حقبة من الزمن في عصر الظلمة والجهل , فلما ثاروا على الكنيسة وانطلقوا إلى طرق العلم كلها حيث أطلق على تلك الحقيبة بعصر التنوير أو التنوير , ونشأ التقابل المتضاد بين ماهو ديني للكنيسة وماهو دنيوي حضاري  أو مدني , وهذه الضجة في التقابل بينهما أحدث هزة في العقل العربي المبهور بالحضارة الغربية فقرر أن ينشئ مثل هذا التقابل بين ماهو ديني للإسلام وماهو دنيوي حضاري .. وإسقاط هذا المفهوم على المجتمعات الإسلامية إجحاف كبير لأنه لا يتناسب هذا الانقسام مع الدين الرباني المعصوم للترابط الوثيق بين الدين والدنيا والسياسة والتدين في الدين الإسلامي .

و لو وقفنا عند أصل القضية بين الكنيسة المحرفة التي جعلت أي منفذ للتطور إنما هو مخالف للكنيسة والتدين , ورفضها للعلم , وبين الإسلام الذي جعل الدين في أدق الدقائق الحياتية والسياسية أيضاً , والذي يحث على العلم والتعلم ويثني على من تعلم العلم , لوجدنا الفرق واضحاً بين مجتمع يرنو للمدنية التي تخالفه فيها الكنيسة وبين المجتمع المدني بطبيعة دينه الحضاري .

فإنه من ينظر في القرآن والسنة النبوية يعلم يقيناً كيف حثت على عمارة الأرض وبنائها على منهج الله تعالى , وحثت على العلم والتعلم , والنظر والتدبر .

ظهر مفهوم المجتمع المدني كما أسلفنا إثر الثور على الكنيسة  , وارتبط منذ نشأته بالقسمة المتضادة بين الدين و اللادين, وظهرت الانقسامات والتقابلات بين ما يتصل بالعلمانية وما يتصل بالدين في المجتمعات الغربية , وصار التطبيق حليف بالمجتمعات العربية والإسلامية بنفس طريقة الفصل والتقابل , ففي عام 2004م صدر تقرير لمؤسسة راند الأمريكية البحثية صنف فيه المسلمين إلى فئات , وطالب بإقامة شراكة مع المعتدلين لإنشاء إسلام مدني ديمقراطي عن طريق التعاون مع هؤلاء المعتدلين من أنصار الحداثة الغربية , الذي رأي التقرير أنها تمثل الثقافة المضادة للإسلام التقليدي المتعصب , وحث التقرير على اعتماد آليات المجتمع المدني في الترويج للإسلام المدني الديمقراطي !

وعُقد في أوائل مارس من عام 2007 تقرير آخر عن نفس المؤسسة تحت عنوان (قمة الإسلام العلماني ) ينادي بمحاربة مظاهر العودة إلى الإسلام وإحلال المبادئ الليبرالية ..!

أما الأسس التي يقوم عليها المجتمع المدني ليست سوى أيديولوجيات ليبرالية فكرية واجتماعية وسياسية , فلا يظهر المجتمع المدني إلا بظهور الليبرالية فيه , حيث أن التشريعات التي لا تتصل بالدين في هذا المجتمع تنطبق على كل من فيه وفق مبدأ المواطنة , بحيث يكون الدين أمراً شخصياً لا تبى عليه خصوصيات .

يقول محمد كامل الخطيب عن هذا المجتمع : ” هو المجتمع الذي يستقل في تنظيم حياته المدنية الاجتماعية عن أي فروض أو قيود , بل يستند إلى نظم العقل البشري كما تنادي العلمانية “

نشأت فكرة المجتمع المدني في أجواء تحول الأوربيين بعد التحرير من الاقتصاد المقيد بالإقطاع والمرتبطة بالنزعة الزراعية إلى الاقتصاد الحر المتجه إلى النهضة الصناعية , وهذه الظروف تأبى التطابق مع العالم الإسلامي لأنه مرتبط بطبيعة الصراع ضد الدين الكنسي المحرف وما ترتب عليه من تخلف وجمود رغم معرفة الليبراليون لهذه الطبيعة المرتبطة بالانفتاح والتولي عن الدين ويريدون تطبيق هذه المجتمعات المدنية بحذافيرها على الواقع الإسلامي , والمجتمع المدني مناقض للمجتمع الديني , وهذه المنظومة لا تنفك لأنها مكونة من مباديء نشأت عليها .

أما ادعاء إمكانية عيش مجتمعات مدنية على الأرض الإسلامية مجرد دعوى لا تستند على أصل , لأن الأصل المدني هو الانفصال كما حصل منذ نشأته في أوربا , ووجوده منقوصاً من أطرافه يخل بأصليته وكينونته بل وحقيقته التي جاء من أجلها , هذا إن كان أصلاً النداء بالمجتمعات المدنية نداءً له صوته , لأنه مجرد صدى يرتد على واقع مدني بطبعه , دينه حضاري وأصله حضاري , فزمن الظلمة والجهل الذي كانت تتخبط فيه أوربا كانت الديار المسلمة في أوج حضارتها وتقدمها في العلوم , ولذا فهي ليست بحاجة أصلاً إلى المناداة بهذه المجتمعات , وتسييس ما لأوربا على البلاد العربية وإجبارها على الدخول في قوالب لم تُعد لها أصلاً , وأما التراجع الحضاري الذي ترزح تحت قيده الأمة الإسلامية , فهو لتراجعها إلى عصر الجهل والمجافاة للدين وتطبيقه , فحلت عقوبة التأخر بعد زمن التقدم.

Advertisements

8 thoughts on “المجتمع المدني

  1. المقالات السابقة كانت تحتوي على تعاريف تحتوي على معنى متقارب ولكن لا تهمل الآراء الأخرى.
    هذا المقال، كانت بدايته جيدة وواسعة، ثم تم تحديدها وتضييق المفهوم بتعريف متطرف ومتشدد واحد وإقصاء بقية التعاريف والآراء والأفكار
    ولم تثبتي الفكرة بالمعنى الذي لديك إلا في آخر جزء من المقالة.
    المدنية هي أوسع من ذلك بكثير، فهنالك من رأى في المدنية هي التمدن ونظام العيش في المدن وهو المنافي للبادية ومجتمعها المترحل
    وهنالك من يرى بأن المدنية ومجتمعها هي مظاهر وأشكال مادية ومعنوية نقيس بها مدى الحضارة ومستواها.
    وإن أردنا تضييق هذا المفهوم والوصول للمعنى الذي تتحدثين عنه وهو أنه مجموعة أنظمة تسيّر المجتمع، فالإسلام كفل هذا الأمر منذ بدايته ، فمن أول أعمال الرسول عليه الصلاة والسلام المآخاة بين المهاجرين والأنصار ، وحل خلافات الأوس والخزرج، وغيرها من التراتيب الإدارية التي أشهر من كتب عنها الشيخ الكتاني في كتابه الشهير : التراتيب الإدارية .

    في الحقيقة باب إثبات العدل والمساواة والمساواة في الحقوق المدنية بين جميع المحكومين هو نقطة ضعف الأنظمة الحديثة، وهم يحاولون قلب الطاولة عن طريق التشكيك في عدالة الإسلام وخلق المسميات وإعادة تعريف الثوابت بطرق تتناسب مع أطروحاتهم ومآربهم، وينسب الفضل لهم وينسى أن الإسلام هو الأصل، فالمجتمعات الأوروبية حتى القديم منها والذي يعدونه أصلا من أصول حضارتهم ونهضتهم ، لم يصل ولم يرقى إلى مستوى الإسلام وعدالته والقضاء على فوارق الطبقات وفوارق العروق وجمع الوحدة على الدين فقط، بطريقة منسجمة ومتوافقة مع كل زمان ومكان وشعب ومجتمع وعرق، ونحن لم نسمع أبدا في الأطروحات عامة ما يشكك في عدالة الإسلام إلا في قضايا قليلة طرحت منذ عهد قريب مثل قضية ميراث الأنثى الذي هو نصف ميراث الذكر، ومسألة القوامة ، وعدد آخر من المسائل حول الحدود الشرعية وأفضلية السجن بدلا من إقامتها، وباب الرد عليهم في مزاعمهم واسع وكبير وهنالك الكثير من البحوث الجيدة والتي تدحض هذه المزاعم ولكن لم يجمعها ويرتبها أحد على حد علمي.

    وخلاصة القول ، إن أردنا أن نتمسك بمصطلح ” المجتمع المدني ” فالمجمتع الإسلامي حمل أسس فكرة المجتمع المدني، قبل أن يخرج لنا هذا المصلطح ، والإسلام أرقى وأعظم من أن نصفه ونقارنه بمصطلحات وأطروحات فكرية بشرية ونقارن الإسلام بها، وأما إن قصدنا عدالة المجتمع والتفتنا للمضمون ، سنجد أن الإسلام يحمل في طياته أسس العدالة للجميع بل وحتى إن رغبنا في المقارنة بين المسلم والذمي ، وأحكام الحرب وغيرها، سنجد ريادة الإسلام حتى في مستجدات ومواثيق الأمم المتحدة، وعلينا في مثل هذا اللبس أن نفصل بين المصطلح والفئات التي تستخدمه، وبين المقصد والغرض منه. بدلا من إلصاق المصطلح على الفئة المسيئة لاستخدامه وتبرئة ساحة الإسلام منه دون تدقيق النظر والتمعن

    • مرحباً أخي عبدالرحمن ..
      في الحقيقة وأرجو أن لا يكون تراشقاً بالاتهامات , أن التضييق ليس في نسب الشيء لأصله , بل في تبديله عن معناه الذي عرف به , وتجاهل البيئة التي نشأ فيها , فجعل المدنية هي التحضر والمنافي للبادية معناً ضيقاً جداً ولا يسقط هذا المعنى إلا على الدول التي فيها بوادي وحضر وأظنه لا يكون إلا لدينا , أما المعنى العاااام للمدنية فهو معناه عند كل الثقافات وكل الشعوب وكل الدول , وهو المعنى الذي نشأ من أجله وأوضحته في المقال 🙂
      وأما ما عقبت عليه فهو ما نرمي إليه جميعاً أن المجتمع المدني بالمفهوم الأصلي لن يكون في المجتمعات الإسلامية لأن دينها الإسلامي لا ينافي المدنية ولا يتضاد معها في حين أن هذا المصطلح له مبادئه في المجتمعات الغربية لذا تنافى مع الكنيسة والدين ..
      والفصل كائن إذا كانت كل ثقافات المجتمع تؤمن بأحقية الدين في التحكيم , وبوجوه في الحياة دون أن ينفصل , لكن المشكلة لدينا في إسقاط المصطلح بمبدئه على الشعوب المسلمة ..

      أخي عبدالرحمن سعيدة بإطلالاتك في السلسلة , وأرجو أن يكون تواجدك مستمراً لتضفي على المكان حلة فرح ..

      شكرا لك

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s