مجرد ( idea )

.

يعمل الفكر دون توقف , ويبقى الإنسان في عِراك داخلي , وحديث مع نفسه لا ينتهي , حتى وقتَ عقد المواثيق أن لا يتكلم معها يزيد منسوبُ الكلام , ويبقى يتكلم بفكرةِ (أن لا يتكلم ) , وهذه نعمةٌ من الله يمنُّها على عباده أن جعل العقل في تحرك دائم لا يتوقف , ومدافعة عمله بما يخامِره ويغطيه عن واقعيته دليل كفرها لا شكرها .. ..

.

أحياناً ينتابني الشتات في قراءة أي كتاب , فلا أكاد أقلب صفحة إلا وتتناوشني الأفكار المتشعبة عن الفكرة الواحدة التي قرأتها , وتتقاذفني حتى أجدني في أوديةٍ بعيدة , وكلما قررت أن أجمعها بمقال أونحوه , رأيتها تتقافز من رأسي وتتلاشى في الهواء , فأقلبُ الصفحة لتعود إليَّ الكرة من جديد , أثق بأن ذلك أمر طبيعي يحصل مع القراء آلاف المرات , منهم من حصرها فعلاً ومنهم من لم يدركها ولم يدرك حجم الفوران الدائر في محيط رأسه , وهنا تعتبر الخسارة فادحة؛ أن نخسر فكرة طرأت على عقلٍ ربما لم تطرأ على عقل قبله ولو أحيطت لكانت فكرة جديدة ..

.

بعض البديهيات تعتبر ترفاً فكرياً أن نفكر فيها , لكننا لو قلبنا طريقة التفكير لوجدنا أنها تحولت من فكرة تقليدية إلى فكرة جديدة , وقد طُرح ما يشابه ذلك في سلسلة ( كن مبدعاً ) في هذه المدونة , لكني هنا سأجعل المجال متسعاً أكبر لا أقول للفوضى الفكرية في الشيء ذاته , بل للتجديد الفكري في الشيء ذاته ..

مثلاً الحزن :

الحزن حالة شعورية تطرأ على الإنسان حال فقدانه لأي شيء , أو ندمه أو خسارته أو أو أو .. وعدد ما شئت من مسببات الحزن , ويعتبر حالة بديهية , مجرد التفكير فيه يعتبر إسرافاً في الوقت والجهد , وكما يقول البعض ( خلاص حزن وانتهينا ) لكننا لم ننتهِ هنا بل ولن ننتهي من وصفه , لأنه لم يأتي أحدٌ بوصف الحزن ببالغ الدقة , فهو غير محسوس ولا مُدرَك كما لو وصفت منظراً أمامي أشاهده ويشاهده من معي , لكنه حالة مغمورة في النفس , تختلف من شخص إلى آخر , بل إنه التفكير أحياناً يقودنا إلى فكرة : هل الحزن الذي أشعر به ذاته يشعر به غيري , بغض النظر عن مقياسه ؟

بمعنى آخر , هل القيمة الشعورية المسماة “حزن” عندي هي نفسها عند غيري ؟ ماهو الحزن؟  أي مكمنه ؟ كيف يمكنني أن أصفه ؟

البعض قد يختلف معي في هذا المثال بالضبط لأنه ينظر إليه بواقعية وقوانين , والفكرة لا تتعدى كونها تفكيراً عميقاً في شيء بديهي يصيب الإنسان دائماً , وعدد مثلها كل القيم الشعورية التي يشعر بها الإنسان ..

لأنه حتماً سيقودك الفكر غير المحدد بحدود الواقع ولا المقنن بقوانين التجربة , إلى فكرةٍ أخرى ولتكن : ماهية هذه المشاعر والتي أحياناً نشعر بها في القلب ؟

والقلب عضلة لو فصلناها عن الجسم , وشققناها لم نجد هذه المشاعر الشفافة !! ومنها تقودنا هذه الفكرة إلى فكرة أن القلب والعقل معاً يشكلون القيم المشاعرية , فتفكر في العقل , أو بمعنى مادي ( الدماغ) فلو فرقت تلافيفه وسراديبه لن تجد ما تبحث عنه ..

.

وكلما أتحْت لفكرك التفكير أكبر , ورفعت عنه حدود الواقعية أكثر , كلما توغلت في التشعبات , وتفرقت في أفواه الدروب لكنها كلها ستوصلك إلى فكرة واحدة – إذا هُديت وكُفيت – , يخر إليها قلبك, ويرجع إليك العقل خاسئاً وهو حسير :

.

.

 (الَّذِى أَحۡسَنَ كُلَّ شَىۡءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلۡقَ الۡإِنسَانِ مِن طِينٍ)

(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمۡ خَالِقُ كُلِّ شَىۡءٍ َّلا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤۡفَكُونَ)

(وَمِنۡ آيَاتِهِ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)

(وَفِى خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوۡمٍ يُوقِنُونَ)

(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحۡسَنُ الۡخَالِقِينَ)

.

.


Advertisements

24 thoughts on “مجرد ( idea )

  1. الحزن هو ما يؤدي إليه فقدان اللذة أو فوات مرغوب .. و هناك رغبات أساسية يشترك فيها البشر جميعاً .. و هناك رغبات فرعية تختلف من فرد لآخر قد يطلبها البعض و قد يعافها الآخر .. كما أن الخوف يكون من حصول المؤلم أو من فقدان مرغوب و يتفاوت بين القلق و التوتر و بين ما يسمى الفوبيا أو الرهاب .. و زيادة أيٍ من الحزن أو الخوف ( خصوصاً في الطفولة المبكرة ) يؤدي بالضرورة إلى عدم الرضا و هو ما يعرف بالغضب .
    تأمل رائع و توجه جديد في مقال الرأي .
    زادك الله علماً و حكمة و هو العليم الحكيم .

    • سيدي …
      المتأمل في نواحي السطور هنا , يجد تفسيراً أعمق ما يكون في الحزن ,
      أو بمعنى أكثر دقة تحليلاً للحزن اللزج العالق في القلوب ..
      فقدان اللذة يورث الحزن كما أن الندم على اقتراف الخطأ يورث حزناً , وفقدان حبيب أو قريب و و و و آلام شتى تتحد في النتيجة وتختلف في الوسيلة ..
      كما أن الناس يختلفون في مسببات الحزن وهذا ما يجعله مختلفاً متنوعاً في طريقته وشكله من قلب إلى قلب ..

      سيدي …
      أفقد بحضرتك الطريقة اللائقة في مناقشاتك ..
      ذاك يعني تصاعد التميز من جهتك
      وتنازله من جهتي

  2. سيدتي ، الفكرةُ هي اللبنة التي يمكن أن تنتج آثارها أعظم المنجزات أو أشد الكوارث ، كل فعله مبدأه فكرة ، وعقلنا البشري ما هو إلا مولد ضخم للأفكار

    مقال عميق أعتقد أني لي عودة لأركانه المتشعبة ، غير أن هذه إطلالة أولى

    كوني بخير

    • يقول الدكتور عبد الكريم بكار نقلاً : ” إن من يملك معلومة كمن يملك قطعة ذهبية , أما من يملك رؤية منهجية فهو كمن يملك مفتاح منجم للذهب ”
      تبقى الفكرة هي المولدة الأولى لمخزون ضخم من المعلومات , وهي لمن يحسن استخدامها مولدة للأفكار الضخمة ..
      ولا يخفى أن كل الأشياء الضخمة منشأها ومبدأها من فكرة ..

      سأبقى أنتظر عودتك الثرية حتماً والرائعة جداً
      وشاهدها إطلالتك الأولى ..
      فمرحباً بك سيدي

  3. لو اردت ان اعلق على هذا المقال احتاج الى وقفات واعترافات ……لانه يحاول الغوص في اعماق النفس الا نسانية… ليكتشف الا نسان بعضا من اسرار ذاته ليدرك بديع صنع الله …
    بقي ان أقول ان هذا المقال ربما… لا مس حزنا خفيا ..!

    • ما يوقفنا أمام أنفسنا عاجزين هو هروبنا من أنفسنا ..
      لذلك يبقى الحزن عالقاً بجميع أطرافه وجذوره فينا
      وهروبنا منه جعله ينمو ويتضخم .. فإذا قررنا انتزاعه نزع منا العروق …

      سيدي .. حضورك مزهر دائماً

  4. السلام عليكم ورحمة الله…

    حالياً عند قراءاتي لاي كتاب .. احب وجود قلم معي… لاكتب ما يطرا على من الأفكار… سواء ليه او ع ورق لاصق…

    .. كل شعور يختلف لدى كل انسان … اما انا فكل شعور يعني التفكير اما بالمستقبل او الماضي او الحاضر .. واحيانا ثلاثتهم معاً…

    • داعية الغد :
      منذ أن عرفت القراءة لم أقرأ إلا والقلم متسمر في يدي , ولا أخفيك أن حتى القراءات الاستمتاعية والتي لا تتطلب تقييد فكرة أجدني لا أحتمل أن أقرأ إلا بالقلم .. للتقييد أو التحديد , أو التوضيح ..
      ولكن الأفكار الشاسعة لا تتقيد بملاحظة أرفقها السطر لأنها تبقى متشعبة وعميقة وتفرد فيها مقالات وليست ملحوظة لا تسمح بها هوامش الكتب 🙂
      وشعور الحزن للتمثيل للحصر ..
      فكل فكرة تطرأ عليكٍ تبقى فكرة ولو كنتي تفكيرين كيف تفكيرن …

      مرحباً رائعتي داعية ..
      وحضورك سعيدة وفاتن 🙂
      كوني هنا

  5. لا أعلم كم من الوقت أمضيت هنا وأنا أتأمل عمق المعنى
    فـ بين أحضان فكرة وفكرة تنبت فسائل أفكار قد تكون سلبية أو ايجابية
    لذا كان حريا بالمسلم أن يتلمس مواطن الابداع والتطوير في كل مجالات الحياة
    والقرآن الكريم والسنة يحثان على التفكير والتدبر للوصول الى الحقائق والاكتشافات التي تقودنا الى وحدانية الخالق عز وجل …

    والشيء بالشيء يذكر والحديث يطول .. وحسبي أنك بهية الحرف ,بليغة المضمون ,إلهامك راقني
    وأرى الحزن فلسفةً تنسكب شلالاً من أنامل مبدعة عبر نصك العميق ….

    بوركتِ غاليتي

    • يبقى التفكير هو أساس التفرقة بين الإنسان وسائر المخلوقات , ومن يعطل فكره فقد عطل عيشه الحقيقي كإنسان يسعى في مناكب الأرض ..
      فإن أشاد القرآن بالفكر فقد سخر بمن لم يفكر كالأنعام ..
      حبيبتي …
      صدقيني أن مروركٍ يسعدني والله ..
      فإذا رأيتكٍ تلاشت همومي ..
      كوني هنا

  6. كمدخل لكلامي أقول :
    إن الجان في حقيقته كائن خلق الله من نار وطبيعة النار الخفة والطيش!!
    أما الإنسان فقد خلقه الله تعالى من طين ولذلك كانت طبيعته أكثر هدوءاً…
    وإذا تأملنا طبيعية الدماغ التشريحية نلاحظ أنه متشعب في خلاياه العصبيه الكثيرة جداً ، ولذلك لا نستغرب حين تتشعب بنا الأفكار وننتقل في مجالسنا من موضوع إلى آخر ، بل إننا نقاوم هذا التشعب أحيانا كحالنا في الصلاة… أسأل الله أن يتقبل صلاتنا.

    أما الأفكار فلو تأملنا في كل فكرة ودرسناها بشكل جاد لألف الناس لذلك آلاف الكتب…
    أذكر أني كنت أناقش صديقا لي حول نجاح الأصدقاء وقارنت نجاحهم بالعقار وقد كتبت في ذلك موضوعاً نشرته في مدونتي وقد كان الموضوع قبل النقاش مجرد فكرة… هل تصدقين ؟!!

    • أصدق ..
      لأنني أرى أن المشاريع الكبيرة مبدأها فكرة وإشراقة برقت في الذهن تكونت معها آلاف الأشياء المكونة للنتيجة أو الهدف ..
      أحياناً نستمتع حين نسمع بعض اللقاءات مع مدراء الشركات والمسؤلين في مشاريع كبيرة حينما يبدأون بالفكرة وكيف طرأت وإن كانت تغلب عليها كثيراً الحاجة التي تدفعهم للتفكير أو الفكرة ..

      أستاذي أحمد ..
      يبقى نقاشك رائعاً كما عهدتك
      فمرحباً بك

  7. مرحبا عقد

    بصراحة اصفق لك و راقتني هاي الكلمة :

    وكلما أتحْت لفكرك التفكير أكبر , ورفعت عنه حدود الواقعية أكثر , كلما توغلت في التشعبات , وتفرقت في أفواه الدروب لكنها كلها ستوصلك إلى فكرة واحدة – إذا هُديت وكُفيت – , يخر إليها قلبك, ويرجع إليك العقل خاسئاً وهو حسير

    أشكرك
    :
    عبدالله

  8. هنيئا لك بهذا الموضوع القيم
    مقالتك الراقية ساعدتني على فهم بعض الأفكار و التساؤلات التي كانت تجوب خاطري كتشتت الأفكار عندما نريد الكتابة عن فكرة في كتاب قرأناه أم في صدد قرائته  ,,
    من القلب شكرا لك عزيزتي على هذه المعلومات االقيمة

    • صدقيني أننا نعثر على أشياء كثيرة بين السطور
      وبين تلافيف العقل
      لكننا نغفل أو نتغافل عنها , فترمد قبل أن تشتعل ..
      هل تظنين أنه خطأنا؟!

      عزيزتي لطيفة ..
      فاخرة دوماً بحضوركٍ 🙂

  9. إن بالفكرة قد نكسب حسنات أمثال الجبالِ
    وبفكرة قد نكتسب ذنب محيض
    وبفكرة قد نرتقي إلى العلالي
    وبفكرة قد نسقط في الحضيض
    أيا كان تفكير هذا الإنسان
    وفي أي مجال جال
    موضوعك رائع غاليتي أمل
    بارك ربي في جهودك

    • ذكرني مقالك بـ ( دافع الخطرة فإن لم تفعل صارت فكرة …)
      ويبقى الإنسان يجول في محور أفكاره لا يتوقف ..
      وحسبنا بأن الله لا يحاسبنا على طيش الشيطان بعقولنا ..

      حبيبتي نور ..
      صدقيني في قلبي لكٍ شوق يتزايد

  10. تدوينتك لذيذة ذكية ، أحب هكذا حديث حين يواجه العقل نفسه ، أعلم أن داخلي طفل حزين يفتل الحرف حين يذكرني الطعن . رغم أنه الحزن إلا أنني أحب رسمه كما تفعلين في رسمك . لا أراك الله حزناً .
    __
    أمل من أين سقطت عليك فكرة هذا الموضوع ..!!

    • هو الحزن يفنينا ونأكلهُ
      ينهينا ونبدأهُ
      يتركنا ونلحقهُ 🙂
      سيدي شخص ..
      لا تسأل من أين سقطت الفكرة
      بل إسأل كيف اقترفت الجرأة
      في كتابة (شطحات) عقلي المتمردة ..
      كتبت مايراودني هذه المرة مايراودني كل مرة ..
      ولو فعلت دائماً ذلك
      لضقتم بتدويناتي
      ولجنونها المحتوم 🙂
      وشكراً هنا لهم نبرة العرفان ..
      والامتنان ..
      فشكراً لك صادقة منمقة كباقة

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s