فلسفة الجمال والحب ..

 

لا تُطفئ الأضواء , ولا تسكن الظلام حينما تريد الكتابة , فليست الكتابة إلا كمثل لسع النمل ؛لاتضرك لكنها تؤذيك , فلا تحاول أن ترتكب طقوساً كي تشهد محفلاً للكتابة تصنعه ,فحينما نشعر بحاجة الجنون إلى الجنون للكتابة ,لا تملك إلا أن تفتح الدفاتر أو برامج الكتابة , فتمارس الأصابع عادتها في إحياء وقتل الكلمات فقط بالكلمات , ما أتعجب منه وهو يعجبني هي الملكات الأدبية والكتابية في النفوس البشرية , استجماع للحروف والمعاني و الأخيلة بمجرد كتابة لا تتعدى هوامش الصفحات ولا تخرج من حروف ثمانية وعشرين هي كل الكلام وكل الدنيا فيها ..

بين كاف ونون كان الكون ..!

فإذا كانت الكتابة هي بذرة القراءة فالقراءة هي بحد ذاتها كتابة لآخرين أدمنوا القراءة , حتى تمخضت أقلامهم ببنين من ورق .

ركبتُ مراكبي في فلسفة الجمال والحب بل في فلسفة الرافعي للجمال والحب ,والمرأة والرجل , والجسد والروح , والأرض والأفق , والملائكة والشياطين .

فلم تكن الرسائل  إلا معاني كأراجيح تأرجح القلب وتسكنه الارتباك والرعشة ,في تصوير الشيء الخيالي كمحسوس مادي يشع بنور يقتبس من الخيال شعلته ..

فتكون كلمته في جهات أربع ,ولكلِّ جهة جهات أربع ولكل من أربعها أربع فلا ترى الكلمة من جهاتها إلا وتزيدها على الأربع ستين جهة , فلا تأتيها من أي نواحيها إلا وجدتها شمساً لا تغرب ..!

ففي رسائله فلسفة الحب المتحرِّق يتبعه الرماد , والجمال الملتهب يتبعه الفناء , في 12 عشر يوماً خلط قلبه بشتى المعاني , وأذهبه بشتى المذاهب , وامتلأ فكراً وحباً و….حزناً …!

هي رسائل الأحزان لا لأنها من الحزن جاءت ولكن لأنها إلى الحزن انتهت , ثم لأنها من لسان كان سِلمْاً يترجم عن قلبٍ كان حرباً , ثم لأن التأريخ الغزلي كان ينبع كالحياة , وكان كالحياة ماضياً إلى قبر

فانفترت الذكرى بوصف الارتباك والحزن في ماضي الذاكرة بــ(الحب والجمال)

فـ….” مع الحب عالم كثيف ينشيء في كل يوم ألماً , ومع الهجر عالم مجرد يحدث في كل يوم سلوة ” وتركها تتحطم على الصخر..!

فإن وضعك بين فلسفة حمراء في الحب , و بيضاء في الجمال , فإنه لا شك ناشئ منها لون هلامي فيه من لسع الموت في الذكرى …

الذاكرة ظل فجيعة تتبعك بإلحاح وجنون .. وحقدٍ أيضاً , تكره الإيجاز , فيمتد طولها بأطول منك كي تنتقم بأكثر من ماضيك , أوووه استعجلت فدلقت كل مافي الكأس في ذاكرته , هي المرحلة المتأخرة في كل فلسفة حتى فلسفة الغضب …!

يقول عنها ” تغضب على أسلوب من طراز البحر الزاجر حين يتقلَّع في أيدي الأعاصير , أو من طراز الأرض حين تتخلعَّ في أيدي الزلازل , وأحياناً من الطراز الرقيق حين تتجاهل في غضبها محباً هي بعض تاريخه , فتدعه يشعر أن فيه مكاناً مجهولاً , وأن من قلبه قطعة منزوعة , ومرة من الطراز العسير حين تلوي وتعقَّد حتى تتركني وكأني ما أجد في الدنيا مكاناً ليست فيه ولا مكاناً هي فيه ..” وتلك أيضاً فلسفة , جعلها – أو جعلتها – في الغضب كما جعلها هو في الجمال الفاتر كما يصفها أحياناً في ” فتور في اللحظات تدل به على أن في قلبها منك شيئاً تحب أن لا يظهر لك , وتحب كذلك أن لا يخفى عليك… ” وتلك أيضاً فلسفة .
ولم يكن وصفه إلا صفة أخرى تجيء بالشمس على هيئة لباس فيلبس أحرفه بلباس التأمل والرضا في البلاء ” ولكن الإنسان يبتلى ثم يبتلى ليعرف أن كل مافيه إن هو إلا وديعة الغيب فيه , فما شاء الله ضر وإن لم يكن إلا نفعاً , والأسباب كالعمر لا يملك الإنسان استمراره لحظة واحدة وقد يستمر على ذلك ما يستمر “..

وهل يمكن للجمال أن يكون بلاءً إلا إذا هرب من الطبع البشري في تقديس الجمال , ليس لأنه جميل في ذاته ؛لكن لأنه جميل في عين من يراه “إن هذا الإنسان وعاءٌ من الأوعية لا يملأه إلا الأفكار والنزعات , ومتى احتل الفكر وتمدد , ثم ضرب فتمكن , ثم غار بجذوره وانشعب بفروعه صبغ الأشياء كلها في عيني صاحبه بألوان منه حتى كأنه لا ينبعث في أشعة النظر إلا ليلبس كل ما تنظره العين ” وهذه أيضاً فلسفة.

يسأل عن العاطفة المهتاجة , والمعنى الساحر الذي يأتي من القلب , والأثر الإلهي الكامن في بعض النفوس مستكينا , ويسأل عن الشعر , ثم يجيب بفلسفة الجمال بـ ” العاطفة هي ذلك المعنى , وهي ذلك الأثر وهي الشعر , والشعر هو العاطفة بعينها وهو الأثر وهو المعنى ؛ وهلم جرا”

فيا الله إن ” هذا القلب هو سر الجمال الإنساني لأن فيه بركة النفس وزينتها وسكنها ؛ فالبركة تنبت من الخلق الطيب , والزينة تخرج من الفكر الجميل , والسكن يثبت بالإيمان واليقين ؛ وما جمال النفس الإنسانية إلا خلق وفكرة وفضيلة مؤمنة

وفي الكتاب ترتدي الحروف أردية وتخلع أردية , تكتسي الجنون والحنين , وتسكن الحب والبغض , وتقترف السرور والحزن …. إنه شاعر ” وإن سرور الشاعر الملهم سرور نفسه وحدها , لكن حزنه حزن العالم كله

فواهاً لك ياشعر الشعراء ! أنت النقص كله مع لذات الدنيا , وأنت الكمال كله مع آلامها

جعل للجمال دخان كلمات تحترق , وللحب رماد قلبٍ احترق , وأفسح على طاولة فلسفته مكاناً لكأسٍ من اللهفة ترطب الذاكرة بدموع الافتراق  والصبر و…الغضب “ ألا كم في الحب من العجائب المتناقضة حتى إن فضيلة الصبر في العاشق ,هي نفسها رذيلة الغضب فيه , كلما طال صبره طال غضبه , وتراه يبغض بأقوى مافي نفسه فلا يكون ذلك إلا إخفاءً لأضعف مافي قلبه , وإذا ترامى في أطراف الأرض لينأى عن حبيبه رأيته من أي عطفيه التفت لا يجد إلا خيال حبيبه , ومهما تطرَّح قلبه في مطارح السلوان فلن يكون إلا كعقرب الساعة تعمل كل قواها في إبعاده عن الثانية عشرة ليرجع دائماً بنفس هذه القوى إلى الثانية عشرة نفسها

يتشظى ألماً في سطر , ويأتي بالضماد في آخر , يتعلق برسالة من الوجع , ويرد عليها بإيناس الهادئ العاقل ..!

تصهل الحروف على حافات الأدب , تركض في المضمار دون خسائر فادحة , هي فلسفات يقيمها الكتاب احتفالات بكعك من ورق , وأشخاص كثير يحضرون معنا لقراءة احتفالهم والأكل من وجباتهم .. كانت رسائل الأحزان أعجوبة في بعثرة الحزن , ولملمة بقايا حب وذكرى وأشياء من حسرة , يفلسفها على جسور الكلمات لكمات تودي بنا إلى أدنى الجسور , يسقطنا من شاهقاته بفن لغته . لم أكتب عن كتاب من قبل , ولا أدري لماذا كتبت عن هذا الكتاب!!

فلسفة الكتابة تماماً كفلسفة الصور , وهي تأخذ تفاصيل ألواننا بهجة وحمقاً , وما دام الشيء بالشيء يذكر فهذه فلسفة بعض الصور التي وقعت على بعضها فأخذته وتعثرت ببعضها وتركته لعدم صلاحية نشره ..

..

..

..

..

..

..

..

..

..

..

أكنا نتمرن على اقتراف الفلسفات بأي فتيلة نتعثر بها ؟



Advertisements

18 thoughts on “فلسفة الجمال والحب ..

  1. طرح مغرق في الفلسفة ويحتاج كل مقطع إلى تأمل ربما يصل بالمتلقي إلى الفهم ، وتظل الفلسفة من بين تلك الاجتهادات التي تفتق عنها العقل البشري ، حتى أضحت الفلسفة بمثابة عقيدة لدى بعض الكتاب قديماً وحديثاً ، وفلسفة الجمال والحب لاتبدو كما يعتقد الكثير من المتلقين سطحية قائمة على جمال الجسد وجمال المشاعر ، فالحب كما وجدته في ذائقتي دليلاً على الألوهية كما هو دليلاً على إنسانيتنا ، بينما الجمال يظل متحولاً يسمو بالحب الطاهر كما تدنسه الشهوة البوهيمية .

    • يغرق الرافعي في فلسفة الجمال والحب
      حتى يكن حكاية نفسين تتألم الأولى فتواسيها الأخرى
      ومادمت ذكرت فلسفة الحب العميقة في ذائقتك
      فقد ذكره هو بألمه‏”‏ إن ساعة من ساعات هذا الضعف الإنساني الذي نسميه الحب تنشئ للقلب تاريخا طويلا من العذاب إن لم تكن آلامه هي لذاته بعينها فهي أسباب لذاته
      ومن ثم يشتبه الأمر على المحبين إذا استفزتهم فورة الغضب ممن أحبوا……..‏”‏
      وذكر طرائقه وتصنيفات شعورة وسوءة تفاسيره‏!‏‏!‏
      لم يكن تعليقك اعتياديا فقد غار أكثر في أعماق الفلسفة
      سعيدة بحضورك
      كن دائما هنا

    • حبيبتي موووون
      كم يؤسفني أن يكون ما كتبته بعيج القعر عن أي قاريء
      أودية الكلام بعيدة نلقي برسائلنا في مطلع الشمس
      علها توصلها
      ترى فهل وصلت‏!‏‏!‏

      سعيدة جدا بك

  2. باختصار ، اسميه ’ ترويض الحرف ’ ، هناك حروف عصية لذا كل مايحدث لها من أجل أن تغرف أسراراً كالدخان ..
    يا رافعية القلم ، أما كفّى الكلام حتى وضحّتي بالصور ..! مقطع واضح لا غبش فيه حين نلزم تلاليب فكرتك وعلّنا لم نسقط فهماً .. نفسك طيب طويل يا أمل ، الله يحرسك . ماشاء الله تبارك الله .

    • أنا رافعية القلم‏!‏‏!‏
      إنه لأبلغ لسانا
      وأبرع فكرا
      وأروع نفسا
      ولو كان جمي من أعدائه ما نقصته حرفا
      ولو كنا أبنا أب واحد ما شهدت بأكثر
      أليس هذا إنصافه الأدبي أعيده إليه بعد سنين فاصلة؟
      أرجوووووك لا تظلمه بي
      وإني ما أردفت الصور إلا لأني أدرك عجزي لوصولي لأعمق مافي الأمر قولا

      سعيدة بحضورك
      وبه تزدان تيجان الحروف

      اجعل من حضورك ديمة
      تحضر دائما وتهطل دائما

  3. من جد أنتي معلمتي وأفخر بذلك امام العالم باكمله
    أمل أنت معلمتي
    لك الفضل بعد الله فيما أنا عليه الان
    اكاد أصبح مثلك رافعية القلم
    ولكن لن أصل ماوصلته
    لكن ساكون تلميذة نجيبة

    اشكر فلسفتك عن الحب والجمال

    احوووبك كوني بالقرب لقد اشتاقت لك الروح

  4. انا اتساءل لماذا الحب مملوؤ بالالم لما لانستطيع ان نكون سعداء في الحب لما دوما يوجد عذاب اسمه عذاب الحب اتمنى ان نجد جوابا لكل هاته الاسئلة المحزنة وشكرا على هذا الكتاب الجميل والسلام

    • الحب ياعزيزتي أخيلة وأمنيات ..
      فإذا لم تتحقق يظل المحب حزيناً أنه لم يصل من حبيبه بما يتمنى أن يصله
      ولو وصله سيبقى في إطار العذاب أنه يريد أكثر ..
      فلا هو قانع وماهو مستريح ..

  5. أختي صاحبة الفلسفه..

    تملكين موهبه أكثر من رائعه !
    مدونه جميله أيضاًًً..
    أتمنى لك التقدم ..

    فعلا .. تسأل الأخت sandrion لا يذهب عن عقلي !!
    أوفقها الرأي تماماًًً..

  6. ماشاء الله … تبارك الله
    ينحني قلمي ويتوارى شعري خجلا افتش في ديواني عن بيت من قصيدة تثبت اني كنت يوما شاعرا ادمن نزف الحروف … ربما اكتشف اذات مره انني بحاجة لان اقدم اعتذارا للشعر ….. أمام هذا الدر والجمان …
    ينعقد اللسان ….!!
    ربما احتاج الى …
    ترجمان …

    • استقامات تعجب تزحف ببطء أمام اعتذار ماكان ينبغي أن يكون ..
      فإن كان الكلام هنا دراً وجماناً
      فكيف قصائدك التي تختبئ هنا خاصة رأفة بي وببعض حروف وضعتها هنا ..!!

      حضورك أستاذي
      بيت من قصيدة ..

  7. غصتي في اعماق النفس البشريه وتجولتي المشاعر في الصدور
    وتذوقتي طعم الحب بالقلوب
    ولم تكتفي بذلك فانطلقتي بريشة الفنان تخلطين اجمل الالوان
    لتجريحنا تارة ولتداوي الجرح تارة اخرى
    ان القلم بيديك بكا من عبراته حبرا محملا باحاسيس يدك الحانيه لتشكل كلمات سحريه كونت اجمل الصور الشعرية
    لقد غيرتي فكرتي عن الفلسفه من انها كلام زائد لا فائدة منه الى عقيده تبين حقيقة النفس البشريه وما تثيره من انفعالات حسيه وماديه
    شكرا لك هذه المودنه من اجمل ما قرات في حياتي

    • أستاذ محمد علوش ..
      أحياناً يدفعنا الحب والحزن والمشاعر إلى أن نقول ما لا يرتبه العقل في صورته ..
      لكنه ولا يزال يقول ما نشعر به ..
      والفلسفة ليست دائماً ذا فائدة ولكنه لها تفكيراً مختلفاً إن لم نحصرها في الإطار وإلا طاشت بعقولنا ..
      حضورك رائع أستاذي .. يشبه الفجر إذا الفجر لمع ..
      دمت هنا لتغتسل المدونة بضوءك

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s