ولقد كرمنا بني آدم

قد كنت تلك الساعة أتأهب للإفطار , وأنتظر أن يصدح أذان المغرب , وبينما أنا كذلك وإذا بصارخٍ قد أتاني أن قومي للخارج , فإن كنت تفتقدين العطف والرحمة فستجدينها في حنايا نفسك على هذين الصغيرين..!!

خرجت وكانت الأجواء قد عُرَّيت من الدفء , وانتثرت الرياح بلذعاتها الباردة , لتمتص ما يجهده الجسم في توليد الحرارة ,

فجُلت ببصري ليقع على صغيرين , لتنكسر أواصر روحي , وتتمزق خيوط مشاعري , لمنظرهما الذي أخذ في نفسي كل مأخذ ,

تبدلت ألوانهما بغبرة واضحة وكأنها قُدت من السماء المحمرة في تلك الساعة , تنشق لأصواتهما أنسجة الهواء , لتسافر بها إلى كل مسمع يقع بالقرب من تلك البقة , لتضع عنهم كبرهم, وقسوتهم ,وتجعل شفقتهم تستحث الدموع فتمطرها ماءاً مالحاً.

فتجد أحدهما وهو الأكبر , يمشي تتعثر قدماه , ينظر إلى من تقع قريباًُ منهم غير آبهة لهم , وهي أمهم بلا ريب وقد رأيتها يوماً معهم , فإذا تقطعت دروبه إليها , تركته في لهفته , ومضت لتقبع في مكان يصعب السير إليه ,

فتسمعه وكأنه يناديها , ويطلب قربها ولم أجد منها سوى الصدود , وليس غير الصدود من محرق..

فإذا وجدها قد ابتعدت تبعثرت ألحاظه في كل مكان علَّهُ يجد سبيلاً للوصول , ولما لم يجد تراجع كأنما اندلقت على عاتقيه هموم , أو تبين نيوباً لوحش يريد أن ينقض عليه , فيعود مسرعاً تختلف خطاه ,مقبلاً  إليَّ ,

وأما الآخر وهو الأصغر , افتقر جسمه من اللحم , وما أراه إلا كعظامٍ بالية , وجلد يغطي بشاعة هيكله , يفصل بينهما سير دمائه في عروقه , و كأن ذاك النبع يوشك أن ينضب , لتجف عروقه , ويبقى كالقربة التي أملق أهلها للماء , مكوية تحت شعاع الشمس , يسير خطاه المثقلة , وتتفتق حنجرته عن صوته الحاد , فيخترق الآذان , يبحث عن أمه , وعن أخيه , أو أن قرصات جوعه تجبره على هذا الصوت!  حقاً لست أدري ,

وأنا أنظر لهما , قد تصدع قلبي , وانشقت عيني بدموع حجبت عني رؤية بعض تفاصيل المشهد ..

ولما هممت بأخذهم إليَّ , علَّهم أن يشعروا بأمان  افتقدوه مع تلك والتي تدعى أمهم , فرأيتهم مقبلين غير مدبرين , يحتاجون لنبض ينبض لهم , وشفقة تحيط بهم , فضممتهم , وكأني بهم يودون لو يشقون صدري ليكونوا مني كموضع القلب , وأمهم تنظر إلي وكأنها لم تلقمهم يوماً ثديها , أو تذيقهم حنانها الفطري الذي فطرها الله عليه ,حينها تذكرت حكاية (مصطفى الرافعي) في طفلين ضائعين من بيتهما , طفلان في وزن مثقالين من الإنسانية , ولكنهما يحملان وزن قناطير من الرعب .

و هذين الصغيرين لم يكونا إلا من فصيلة وحشية , الصغيران في حكاية الرافعي ضاعا عن بيتهما , وهذين الصغيرين ضائعين عن الكون , الصغيران في حكاية الرافعي لا يدرون عن أمهم وهي تطلبهم , وهذين الصغيرين يدرون أين هي وهي تنفر عنهم , فسحقاً لها , وسبحان خالقها , كيف أن فطرة الأمومة عند البهائم تتوقف لحد , وتنقطع لحد آخر , فإذا كبر أنكرته وأنكرها , وإذا فقدت منه ولو رائحته , رمته ولا تبالي في أي وادي هلك ,

الصغيران في حكاية الرافعي , وجدوا الإنسانية من حولهم , تسأل عنهم , ملتفَّة من حولهم , هذه الإنسانية التي جبلت على رحمة الضعيف , والإشفاق عليه ,

وهذين الصغيرين لم يجدوا إلا فصيلة بهيمية , لا تعطف ولا تشفق , فرغم ما اشد من صوتهم إلا أن البقية في أفلاكهم يسبحون ,

فكان يقول الرافعي (فكل أب هو أبو هذه الإنسانية كلها ,ولن يطيق من كان له طفل أن يرى صغيراً ضائعاً في الطريق يستهدي الناس إلى أهله ويبكي عليهم , أو طفلاً جائعاً يعرض على الناس وجهه المنكسر ,ويستعطفهم بصوته المريض أن يطعموه , أو طفلاً يتيماً قد ثكل أهله وضاق بقسوة أوليائه فا نطرح في ناحية يبكي و يتفجع ويسأل من يعرفون الموت أين أبي ؟ أين أمي ؟

هؤلاء ليس بينهم وبين قلوب الآباء والأمهات حجاب , إذ ليس فيهم من الناس إلا اضطرارهم من الناس , فهم الإنسانية الرضيعة التي خلق من أجلها القلب الإنساني في شكل ثدي.)

هذه الإنسانية , أما ما رأيت من هذين الصغيرين جعل مني تفكراً ,أن أحمد الله أن الإنسانية هي منا غير من تخلى عنها , وهي لنا غير من تنكر لها ,

فرغم احتياجهما لأمهما أو لمن يمد لهم يده, إلا أن البقية آذانٌ صماء , وأعين بلهاء , تبحث عن رزق تأكله , ولم تفكر في منح هذين الضعيفين شيءٌ مما تأكله , وأمهما التي تخلت عنهما , تنفر منهما وتبتعد ,قد فقدت فيهما ما يبعدها عنهم أو ما الذي أبعدها عنهم ؟!

أين الأمومة؟! أين الحنان؟!

تذكرت مقالة عامية  كانت كثيراً ما تطلق وأسمعها على ألسنة النساء ( ماعيَّر الحريم إلا البسة تشل عيالها بفمها)!

بمعنى أن حنانها الذي جُبلت عليه يفوق حنان النساء!

إذن:

بماذا يُفسر نفور أمَّ هذين الصغيرين عنهما؟!

ولكن لا أقول سوى..

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (70) سورة الإسراء

فلن تُفقد المرأة حيث تُطلب من جهة صغارها , وإن فرقت بينهما مفرقات , ولن يتخلى عن الضعفاء من في دمائهم جريان الإنسانية .. ومن تخلى عنها , فكأنما قلبه قُدَّ من الصخر ,ما هو منها ولا هي منه .وإنما البهيمية المتمثلة في شخصه…

Advertisements

8 thoughts on “ولقد كرمنا بني آدم

  1. الإنسانية ”

    أُصاب بدوار حين أسمع هذه الصفة ، واسقط مغشيًا عليّ عندما أتحسس جذورها فـ أجد أنها مرتبطة بـ الإنسان .. !!
    و أن أمريكا ” تحارب ” العالم بدافع الـ ( الإنسانية )
    و أن ” الإنسانية ” أهلكت العالم .. ؟

    \

    و الحمدلله على نعمة التي لا تحصى ..

  2. الإنسانية هي بمفهوم أصح او بعبارة أوضح ( الرحمه) التي جعل جزء يسيراً منها في قلوب مخلوقاته و الجزء الأكبر له سبحانه فهو الرحمن الرحيم..
    وإذا إنعدمت هذه الرحمه من قلوب البشر حتى تصل بهم إلى ان تضيع الأم وليدها ويقتل الأب أبنه والأبن بأمه والعياذ بالله أصبحوا أسوء حالاً من تلك الحيوانات الضارية التي لا تؤلو جهداً للدفاع عن أبنائها والذود عنهم وفعل كل ما يحميهم حتى وإن كانت هي الضحية من دونهم ..
    وإن مما يقض المضجع ويؤرق هو تردي الأمم ونقصان الرحمة من قلوبهم .. وتبدل حالهم من حب الآخر لحب النفس من بذل الجهد للآخر لطمع النفس وجشعها .فعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ارحموا ترحموا واغفروا يغفر الله لكم ) رواه أحمد

    نحتاج للرحمه في كل امورنا وفي تعاملتنا ويجب ألا تنعدم بين الأباء والأبناء فهي أساس الحياة والتعايش .. وفي كنف الأم توجد الرحمه ..

    والله أرحم بعباده ..

  3. بـ أي صخرةٍ استبدلت ساكن صدرِها ؟!

    تيكَ العينين الحجريتين .. تبصران ولا تتبصّران !!

    ربّاهُ لكَ الحمدُ على ما وهبتَنا من “أفئدة” بين أضلُعِنا

    عقد الجمان ..

    عجيبة حدّ الألم !!

    دمتِ بحفظ الرحمن

    أختكِ :
    رملة

  4. الهنوف/
    الانسانية لاترتبط بالإنسان بشكل قطعي
    فإن انسانية بعض الأناسي تكاد تفتقد..

    وأمريكا التي تحارب العالم بدافع الانسانية أظنها تبحث عنها وتقاتل لتجدها ولو في غير بني جلدتها..

    حبيبتي مرورك أبهجني ياحبيبة

  5. أخي مساعد/
    مادخلت الرحمة في شيء إلا زانته ومانزعت من شيء إلا شانته..
    أو الرفق أو سمها ماتشاء مادامت هي في إطار الانسانية..
    ومن فقد انسانيته فقد كرامته والتي في(ولقد كرمنا بني آدم)
    أخي لقد كانت حروفك براقة ومرورك جميل أشكرك

  6. رملة:
    لقد تألمت كثيراً لرؤيتي لهذين الصغيرين

    وأنت تألمتي ولم تريهما فلو رأيتيهما ماذا كنت ستفعلين؟!
    أسأل الله أن يردها لهما

    شكرا لك روعتي لمرورك الرائع

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s