أعمـــارٌ مُنـــــهــكة

خلف جدران البيوت القديمة.. يثير غبار الطرق رَوْحَة وجيئَة ..

ذلك الصغير قد لون الزمن على جبهته قترة مظلمة.. يرتدي ثياباً كانت يوماً ما تضج بالبياض..

ملتصقة بكتفين نحيلين فقيرة من اللحم..

لقد طُرد من بيته ليصبح رجل..!!

وما دخل الرجولة في مكوثه؟! وهو لم يزل في أحضان سني عمره التسع؟!

تركهم برغبتهم ليبحث عن الرجولة في كنف سيده الذي ربما يمنحه رجولة مع دراهمه لعمله عنده في المزرعة…

ولازال يردد الأناشيد مع صبيان القرية بصوته البغيض المبحوح..

ويثير الغبار أخرى..

*    *      *      *       *

رحل عن أبيه وزوجته إلى مجهول ..قد امتطى العزم..وتزود بالصبر في رحلته.. تاركاً لأولئك أناشيدهم التي يزعجهم بترديدها معهم ..وما زال صداها عالقاً في مخيلته..

الوجوه هنا تبعث بألوان شتى للحزن..رغم احتباسها بلون الكآبة القاتم..

لا تحب ترديد الأناشيد في ساعات عملهم..

وفي فضاء مزارعهم الخضراء..يصدح أحمد بكل أغنية حتى ينتهي بقطرات دمعه التي تغسل ما أمامها من تراب .. فتبقى خطين مبللين بماء مالح..على وجهه الأسمر..

*     *     *      *      *

لاشك أن لكل نفسٍ ماضيها..

وماضي أحمد مجرد من قبلة عطف أو ضمة حب..

مزدحم بكل كلمة تشق طريقاً لا تغواه إلى قلبه لتنكأه بأظافر قاسية..

وأحياناً يستغني الأب عن الكلمات بلغة لا يعرفها سواه من أهل قريته..إنه الحبل المضفر … ولا زالت لفظته السوداء في ظهر أحمد…

وانتهت صفحات ماضيه بطرد والده له من قريته… لأنه لم يثبت رجولته!

و قد لفظت الدنيا أمه ذات رحيل, وانهالت عليها حبات التراب.

*    *       *      *       *

عاش حياته مع قوم لم يعرفهم..رغم قسوتهم إلا أنه ألِفَهم..وألِفَ جلساتهم في الضحى..وسمراتهم بعد العشاء..

ولازالت نساء القرية يكشفن وجوههن له..فهو ولم يزل صغير..!

يدخل البيوت بلا سائل..ويغادرها بلا سائل..

واليوم غادر حضن سنيه الصغيرة لتلتقيه سن العشرين بأعبائها وأشجانها وحنينها لأرضه وأهله..

فدقت الحجر.. وأذابت الصخر…

فكان لها أنينها الشجي في قلبه..

غربة تحتويه … قاسية  لياليه … وحرقة الشوق مستقرة ولم تبرح..

ظل يعاند قلبه , ويقهر نفسه , يتشاغل عن حنينه بمزارع الطماطم الحمراء والفاصوليا والرمان..فيحل الليل وقد أرهقه التعب ليرتمي على فراشه في زاوية بيته الطيني ممدد الأطراف لا يعي حتى يبزغ فجر اليوم التالي..

وما أن تشرق الشمس إلا و يأخذ عدته ماضياً إلى المزارع ليواصل العمل ,,

متشاغلاً  عن حنينه الذي يحس بوخزاته في كل حين..

يعمل عند هؤلاء وهؤلاء..

مقابل أن يضمنوا له الغداء أو العشاء..وبلا عطاء..فهو يسكن في أحد بيوتهم القديمة في أطراف القرية بلا أجرة..

لأنه يقاسم العناكب في مسكنهم..ولابد من زيارات طفيفة للفئران في ذاك المكان..

يتزوج أبناء أهالي القرية, ولا بأس من حضوره ليعد القهوة ,

ويموت شيوخ القرية , ولا بأس من حضوره ليعد القهوة…!

*    *       *      *       *

ذات عمرٍ ..غادر حضن سنيه العشرين لتلتقيه سن الأربعين القاسية..

و انكفأ على نفسه في بيته, فلا يحق له أن يتمشى في طرقات القرية,لأنه بلا شك سينال لطمة غاضب لأنه كان بالقرب من بيته وامرأته تحلب الحليب..

أو أنهم سيثيرون في أرجاء المدينة دخان كذبة حُبٍ أزلية جعلوه من أبطالها

مع بنت أبو عبد الله التي ترعى أمها العمياء بعد وفاة والدها وأخويها في البئر..!!

وغدا حبيس غياهب الوحدة ,

في كل يوم تلملم ذاكرته بقاياها مهرولة إلى قرية تحتضن أهله , يحاول إعادتها إليه, ولكنها تأباه ,

أبدت الغربة أصابعها الشرسة..

وظلت تخمش في كل يوم وجهه ,فيكمده بشرائط الصبر..ويواصل المسير..

*    *       *      *       *

زائر يزور القرية….!

غريب عن هذه الديار..هذا ما قاله أبو صالح الذي يتربص عند باب منزله لكل غادٍ ورائح..

ناداه :

– هيه…من أنت؟!

– أنا ..أنا أبحث على أحمد ..

– من أحمد..؟!

– أحمد الذي جاءكم قبل سنين..غريب عنكم ليس من قريتكم..

– أيييييييه…تقصد( أحمد العامل)؟!

– نعم..

– هذا بيته….. الصغير ذاك ..

– جزيت خيراً..

طرق الزائر باباً موصد , غائبٌ صوت ساكن الدار بين لفائف الدثار..ولكنه أجاب..

*    *       *      *       *

بعد عهدٍ ليس بالقريب..يخرج أحمد متآكل الآمال, ذبلت وجنتاه النحيلتان,

تدلت أجفانه بحزن بالغ على عينيه..

قد اتخذ الحزن من روحه مأوى,

هذا بعد ذاك الزائر الذي أتاه بفاجعته ,فألقاها في نحره وهرب يجرجر أثوابه إلى قريته…!!

*     *       *      *       *

– ماذا حصل لـ( أحمد العامل) لم نعد نراه يا أبو صالح؟!

– بعد ذاك الزائر انحدرت حالة أحمد..

– قد يكون عمل له مايسوؤه

– لا ……لا أظن ذلك

– إذن فماذا حصل؟!

– قال لي إن ذاك الرجل أخبره بوفاة أبيه..

– الله المستعان…

دعنا من أحمد وانظر لتلك المزرعة……وغرقا في الحديث عن مزارعهم..

تتلاشى أصواتهم كما الدخان , تاركين أحمد يموت كمداً..وبلا أنيس..

*     *       *      *       *

عينان غائرتان..

نفض الصمت كل لون يشع بالحياة من وجنات أحمد,وألبسه لونٌ قاتم.

اكتسح الظلام ما تبقى من غرفته,

رائحة الموت تفوح في الأرجاء..

سكن البرد المكان..

كان ثمة طارقٌ يطرق أبواباً موصدة,ويُلقِفه صحاف الطعام من خلف الباب كما هي عادته.

طرقاته تعالت ولا يجيب سوى صداها,

كسر أهالي القرية الباب,وجدوه مسجى بالموت,لا يعلم به أحد,

حملوه على أكتافهم,غسلوه وكفنوه,وصلوا عليه,

وعادوا إلى دنياهم,قد بخلت أعينهم عن ماء مالح تفيض به من أجله!

*     *       *      *       *

منذ انشطرتُ على جدران الحزن..

وضاع القلب مني وانشطر

ورأيتُ أشلائي دموعاً في عيون الشمس

تسقط بين أحزان النهر..

قد كنتُ في يومٍ بريء الوجه..

زار الشوق قلبي فانتحر..

وحدائقي الخضراء ما عادت تغنِّي مثلما كانت

وصوتي كان في يومٍ عنيداً….وانكسر.

فاروق جويدة

Advertisements

2 thoughts on “أعمـــارٌ مُنـــــهــكة

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s