لــقــاء روحــي

ما أشد حرَّ هذه الليلة, أكاد أختنق,

جهاز التكييف لم يعد يعمل كما ينبغي, قفزت من فراشي سالكاً دربي إلى المطبخ,أبحث عن شراب بارد يهدئ من هجير هذا الليل..

وجدت عصير الفراولة في الثلاجة, فتحته وسكبته في جوفي دون توقف حتى ختمته..أحسست بآلام في حلقي لشدة برودته وصعوبة بالغة في بلع بقاياه في فمي..

تذكرت مصطفى حين يقول:

كلماتك الأدبية قاسية , لا أستطيع هضمها , وأحس بصعوبة ذلك,كما يحدث لك بعدما تشرب كوباً من الماء البارد..

– ههههه..كم أحبه…سأرسل له أني جربت ذلك الإحساس الذي خالفته فيه يوماً..

//

\\

مصطفى…ذلك الرجل اللطيف الظريف, كم أتمنى رؤيته غير أنه كان متحفظاً جداً من ذلك, لا أدري هل يخشى أن تحشر صورته نفسها في علاقتنا فتبترها ؟!

أم أنَّهُ متحفظ من التصوير ذاته؟!

ولكني في النهاية لم أحضَ بصورة تعرفني على ذلك الشخص القابع خلف الشاشة ويحادثني..

شعورٌ غريب وممتع وأحياناً قاهر..أن تحب وتحادث وتضاحك من لا تعرفه..!!

ولكني أنا أيضاً رفضت أن أحادثه على الماسنجر,فلم يكن لدينا وسيلة سوى البريد, بالرسائل , والرسائل فقط..

مصطفى رجل رقيق..يعشق الحديث عن الأرواح..ولا تكاد تخلو رسائله منها..فيقول:

{تشتاق روحي إليك,فتهفو كما الطيور لتعانق روحك ,لقاء بلا افتراق}..إن كانت الرسائل ودية.

ويقول{إن كانت الأرواح ستبحث عن من تحب..فتجد أرواحهم  غافلة ساهية..ستبقى أسيفة حتى تعود }إن كان يعاتب

ويقول أيضاً:{أرواح الأخوة في التقاء دائم..وإن انتقلت إحداها إلى البرزخ..ستلتقيها الروح التي أحبتها في المنام…إن كانت تحبها بصدق}…!!

كنت أضحك كثيراً لتلك الرسالة..

ويومها قلت له:

وإن كنت لم أرها في المنام!!هل يعني أني لا أحبها بصدق؟!

مصطفى هراءات فارغة لا تصدق أقاويل العرافين في قريتكم..

أو حتى كلام الشيوخ الطاعنين في السن..فإنها أكاذيب..

ردَّ إليَّ برسالة:

{أخي يزيد..يبدو أن طبيعة أرضك الصلبة نقشت صلابتها في قلبك..

وحديث الأرواح لا يروق لك..ذلك الحديث الرقيق الشفاف..

لا أدري لماذا لا تحبه؟!

ألم تقرأ كتاب الروح لابن القيم؟!

“عندما قال عاصم الجحدي لبعض أقاربه حينما رأوه في منامهم وسألوه عن حاله فقال:

إنا نلتقي في الجنة أنا ونفر من أصحابي كل جمعة نتلقى أخباركم,

قالوا أجسادكم أم أرواحكم؟!

فقال(هيهات بليت الأجساد ,وإنما تتلاقى الأرواح)”

وبالمناسبة أخبرت أخي عبد الرحمن برسالتك..وضحك كثيراً وقال إنك رجل جَلِد..

لا تهتم إلا بالمحسوس..}

تململت قليلاً..أمسك بحلقي وكأن اللوزتين ستخرج من الألم الذي أحسه..

وتماسكت حتى دخلت الحجرة واسترحت أمام جهازي على فراشي, وفتحت بريدي,..

وإذا برسالة منه يبدو أنها هذا الصباح:

(السلام عليك أخي يزيد ورحمة الله..

صباح معطر بأريج الحب والشوق..

كيف أيامك التي مضت؟!

اشتاقت روحي لروحك الندية..كشوق الأرض لماء السماء..

وأتمنى أقرأ أخبارك في أسرع وقت..

أما أخباري…

في يوم الاثنين الماضي رُزق أخي عبد الرحمن بمولودة – زي القمر- وأسماها سُمية..- والعاقبة لدينا بالمسرات والمواليد ^_^ –

والأجواء عندنا شديدة الحرارة مع قلة في الأكسجين..لا أدري هل اُستنشق كله ليلة أمس, فقد فازت إحدى الأندية الرياضية في دولتنا وخرج الشباب يقيمون حفلاتهم المشجعة فاستنشقوا الأكسجين كله لحاجتهم له لأنهم بذلوا جهد ليس بالقليل في الصراخ – والنطنطة- فيحتاجون لتنفس أكبر..!!

وأحس بآلام بسيطة في بطني..ولكني أتجاهلها..أسأل الله العافية..

وها أنا أترقب أخبارك وإن كنت لا تملك وقتاً في الرد الطويل ,فتكفيني رؤوساً تعلمني فيها بجديدك يا أبو التجديد..

محبك/مــsـــطفى..

ضحكت كثيراً لسخريته بأصحاب الأندية التي ما عهدته إلا ساخراً..

وأرسلت له:

(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:

أجدني ممتناً لك هذا الكرم وهذا الخلق الرفيع..

فكما تشتاقني فإن (روحي) تشتاق إليك أنت بروحك وجسدك..لا لروحك فحسب..

ولأنك لا تحب صعوبة ألفاظي الأدبية كما تقول فسأرسل إليك رسالتي ,بسيطة كقصص كتب القراءة لطلاب الابتدائية..- عندنا طبعاً وليس عندكم-

رغم بساطة لفظي لكنك لا تفهمه لأنك تحلق بلا شك مع روحك التي لم تستقر على الأرض يوماً..

وأسأل الله أن يعيد روحك إليك وإلينا..غير أني في حيرة من أمري..كيف أحادثك وأنت جسد بلا روح؟!

عفواً..يبدو أنها معي لذا فلا داعي أن أرسل لك رسالتي…أو (جوابي على قولتكم)

هههههه…

وأسأل الله لك العافية

أما أخباري..لا جديد على الساحة , سوى أني أحس بصعوبة في بلع ريقي لأني شربت قبل قليل كأساً من عصير الفراولة البارد أو بالأحرى المثلج فيبدو أنه سيصيبني بالزكام..لقد تذكرت حديثك عن صعوبة فهم ألفاظي..

وأجواؤنا حارة وخانقة لم تعد أجهزة التكييف تعمل بشكل جيد..

ولأن الوقت الآن الواحدة وخمسٍ وعشرون دقيقة فإني أحتاج للنوم ..

تصبح على خير

محب (روحك)/يزيد

أغلقت جهازي وأنا أغالب النوم..

وتوضأت وصليت الوتر..ونمت

*   *   *   *   *    *

يااااه لا أحب انتظار إشارات المرور..

وحاولت تغيير جو الظهيرة الثقيل..ففتحت جهاز التسجيل لأسمع نشيدي المفضل (يا حنين الشوق فينا……..حلَّ بينُ يا حنينا

هل تذكرت الليالي……..عطرها ينسي الحزونا

يوم أن كنا سوياً………في رياضٍ تحتوينا

في رياض الحب كـ….ـنا نستقي منها الفنونا)

اللقاء والوداع يستثيران مشاعري..فتتفجر براكيني, وتموج سطوراً لا تدرك أين المسير..!!

فتبقى عائمة بلا قارب..أو وجدته ولكنه ممزق الأشرعة..

فتحار الحروف..وتبقى نفسي التي أجهشت بأسمال حروف..وبقايا صمت..تنثر كلمات..لا يفهمها أحد..

حتى مصطفى..فإنه ينعتني بالظلام..والغموض..!

وعندما عدت وقبل الغداء فتحت البريد لأجد رسالتين.الأولى إعلان من إعلانات البريد , والأخرى من أخي..مصطفى..وقد كتب :

(بالأمس ذهبت للمشفى لأعقد موعداً مع الطبيب, وسيكون غداً بإذن الله..لا تنساني من دعوة)

توقفت قليلاً..فقد كانت تعني تلك الحروف شيئاً لم أفهمه ولكنه أحزنني..

تنهدت وأحنيت رأسي..اللهم أنزل له الشفاء..

دخلت رنا ..

– يزيد يلا الغداء جاهز..

*   *    *    *   *    *

(السلام عليكم أخي مصطفى..

تكالبت عليَّ مشاعري الحزينة..وتكاثفت فشكلت غطاء كثيف لا أرى فيه سواي..ولا أرى من حولي ولا حتى من خلف هذا الغطاء..!

قلقي يا أخي سيفتق روحي إن لم تطمئنها.. ماذا أخبرك الطبيب؟! وبماذا أوصاك؟!

لا زلت أتطلع لأخبارك وإن كنتُ بين رمال منطقتي وأنتَ على ضفتي النيل..

فأرواحنا لا زالت تلتقي وستلقي..فأخبرني عنك يا أخي..)

( السلام عليكم..

مصطفى:

لم تجب على رسالتي الأولى..وها أنا أعيد إليك تساؤلاتي التي أرعَدَت بها نفسي..وأخاف أن تهطل عيناي بمائها المالح خلف ذلك الرعد.

أخي..طمئن فؤادي القلق..وأنر بريدي برسالة واحدة تطمئني على صحتك..

لا زلت بالانتظار)

(..إنني أتساءل..إن كنت تقرأ رسائلي ولم تجب..لماذا لم تُجب ؟!

وإن أنت لم تقرأها..ألم تشتاق لي كشوقي إليك..)

كانت تلك رسائلي التي أبعثها على بريد مصطفى ولم أظفر بردٍ يهون من قلقي عليه..حتى إنني أصبحت كل يوم أفتح بريدي, قد أصابتني هلوسة الاشتياق التي كنت لا أصدقها..أمنِّي نفسي برسالة منه..ولا أجد إلا إعلانات أو أخبار فارغة أو رسائل من بعض المنتديات..

وإن لم أجد منه رسالة..فتحتُ لأرسل إليه أخباري مذ صحوت حتى لحظتي التي أرسل إليه..

حتى دخولي اليومي لبقالة أبو صالح لا أنساها من نشرتي اليومية..!

كان يقرأها أو لم يقرأها فسأبقى أخبره أخباري كما كنت أفعل وإن لم يرد..

*   *     *      *      *

( السلام عليكم ورحمة الله:

تعانقت أغصان الخريف..انقضى فصل وأتى آخر..ولم يأتني منك ما يطمئني عليك..

أحمرَّت الأوراق..

أصفرَّت الأوراق..

تساقطت الأوراق..

فسقطت معها دموعي..

لتزيد عمقي شحوباً وصُفرة..

وأنا هنا أتأمل كل قادم..ليخبرني الخبر..

مصطفى..

طال انتظاري لحروفك..التي ستخبرني عنك..

وطال انتظاري لشخصك المتجسد في صفحتك..

طال الانتظار..

مللت الانتظار..

وقلقي يزيد..وخوفي عنيد..

أرجوك اسمعني قبل الرحيل..

سأبقى أدعو لك في جنح الظلام..

وأدعو لك في وضح النهار..

فشأننا..حبٌ في الإله…وفي الإله فقط..

أخوك/يزيد

*     *    *     *     *

بعد يومين من تلك الرسالة فتحت البريد على ثقة بأني لن أجد رداً كما كان..

ولكن المفاجأة كانت أكبر من توقعي..فقد رأيت رداً من مصطفى..

فقزت فرحاً….وفتحتها لأجد:

{ أهلا بك أخي يزيد…

أرواح الأخوة في التقاء دائم…..وستلتقي روحٌ بروح إن هي أحبتها بصدق..

دعواتك الصادقة لمصطفى بالرحمة………………… عبد الرحمن}

*         *          *           *         *

انتهى 1428هـ

Advertisements

6 thoughts on “لــقــاء روحــي

  1. أح ..

    حديث أرواح .. ولقاء أرواح ..

    جميلة والله هذه القصة .. عذبه وجميلة ..

    ألها أخوات !!

  2. أختي الرائعة منيرة
    إن لحرفك في أولى مواضيعي بالمدونة نغم يأسرني..

    أشكر لك مرورك ولها أخوات كثر..

    على أمات والأب واحد..

    كوني بالقرب

  3. كنت أتمنى أن أكون الأولى .. لكن شغلت ومنعني ما شغلت به عن الوصول مبكراً ..

    مررت هنا سابقاً .. وعزفت عن قراءة هذه القصة الجميلة .. لعلمي أنها تحتاج أكثر للتأمل .. فعدت حين فرغت .. قرأتها .. وأعدت قراءتها!

    حزينة .. لكنها رائعة!

    * على الرغم من النهاية الحزينة .. هنيئاً ليزيد .. وجد من ينهي معه غربته .. أو على الأقل .. يعيشها معه!

  4. وهنيئاً لي أن عطرتي صفحتي بحرفك الزاهي..

    كم أنا ممتنة لك أختي الغالية..

    وكم أكن لك من مشاعر ود وشوق..

    كوني بالقرب يارائعة

  5. يااااااااااا إلـــهي

    عقد

    ما هذا
    أين أنا من كلماتك

    كنت قد بدأت من جديد قرائة كتاب الأرواح منذ يومين
    أتذكرينه

    هديه منك اخيتي الحبيه

    أأتذكرين متى اهديتني اياه

    في أطهر بقعه وفي أجل مكان

    أتذكرينه يا عقد

    حديث الروح للأرواح يسري ..وتدركه القلوب بلا عناء

    ومن هنا كان لقصتك وقع

    كم أستمتع بقرائه هذا الكتاب كثيرا

    وبقرائه الاهداء في بدايه الصفحه

    لا ادري قصتك رائعه الى أبعد الحدود

    أتعلمين
    لو أغمض عيني الآن

    بلاشك ستفضحني

    الدموع تجمعت

    لا تعليق
    دمتي مبدعه
    أحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك

    كثييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييراً

    (روحي تحبك وتشتاق اليك)

  6. ياااااااااااااه ياشموخ:
    كم سعدت والله لروحك التيسكبتيها هنا..بل وفي قلبي الذي اشتاقك كثيراً يارائعة..

    لا أستطيع أن أقول إلا جمعني الله بك قريبا وفي جنته

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s