مجتمع جديد

يقول محمد قطب :

كانت أوربا ستصيح صيحتها  وتحرر نساءها من الدين والأخلاق والتقاليد وتخرج المرأة هناك سافرة متبرجة , عارية ؛ وتملأ الشوارع والمصانع والمكاتب والدواوين وتغرق هي والرجل في علاقات دنسة تدنس الجسد والروح وتفكك الأسرة ويتشرد الأطفال وتنتشر الجريمة والخمر والمخدرات والقلق والأمراض العصبية والنفسية والانتحار والجنون … ويظل المجتمع الإسلامي في تماسكه , ورفعته ونظافته وتطهره , ينظر رجاله ونساؤه إلى تلك الجاهلية نظرة استنكار ونفور واستعلاء ..

وفي وقت مبكر كتب ” ول ديورانت ” الكاتب الأمريكي في كتابه مباهج الفلسفة ( ولندع غيرنا من الذين يعرفون يخبرونا عن نتائج تجاربنا … أكبر الظن أنها لن تكون شيئاً نرغب فيه أو نريده فنحن غارقون في تيار من التغيير  سيحملنا بلا ريب إلى نهايات محتومة لا حيلة لنا في اختيارها . وأي شيء يحدث مع هذا الفيضان الجارف من العادات والتقاليد والنظم )

فإذا كان هذا واضحاً عند رجل غير مسلم بل ملحد ساخر بكل القيم الأخلاقية والدينية مثل ول ديورانت قبل أكثر من نصف قرن من الزمان فقد كان الأحرى أن يكون واضحاً تماماً عند المجتمع المسلم , الذي يهتدي ببصيرته الإيمانية المستمدة من إيمانه بكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم والذي يرى حتمية السنن الربانسة في الحياة البشرية حين يقدم الناس لها الأسباب ويؤمن بالنتائج السيئة المترتبة على فساد الأخلاق في حياة الأمم وحياة الأفراد , ولكن القضية أن المجتمع الإسلامي كان بعيداً عن حقيقة الإسلام .

ومن هنا وجدت الثغرة التي ينفذ منها الشياطين .. وحين نفذوا فإنهم لم يقولوا إن المجتمع قد بعد عن الإسلام الصحيح وينبغي أن يعود إليه .. فما لهذا جاءوا , وما لهذا أطلقوا صيحاتهم إنما كانوا يعملون بجهدهم كله ليخرجوا هذه الأمة من الإسلام وليرسموا لها الطريق الذي يبعدها نهائياً عنه , ويمنعها بكل سبيل من العودة إليه …

ولئن كانوا قد استخدموا الإسلام في مبادئ حركتهم كما استخدمه قاسم أمين وغيره ليتترسوا  به من قذائف المعارضين , الذين سيرمونهم ولاشك بالمروق من الدين , فإن هذه المرحلة سرعان ما استنفذت أغراضها , ووقفوا  موقفهم الحقيقي من الإسلام , وهو موقف النبذ والمعارضة والهجوم , على مرحلتين متتابعتين الأولى مهاجمة التقاليد والأخرى مهاجمة الدين باسمه الصريح .

في مرحلة الهجوم الأولى هاجموا التقاليد التي كانت ظالمة بالفعل من تأثير الردة الجاهلية التي كان المجتمع الإسلامي قد ارتد إليها نتيجة تخلفه العقدي , وعدم تطبيقه الإسلام على صورته الحقيقية , ولكنهم حرصوا أن يدخلوا في دائرة الهجوم التقاليد الإسلامية الحقيقية التي قررها الإسلام ورسوله جنباً إلى جنب  ويطلقوا عليه تقاليد بالية ينبغي أن تحطم وأن نتغير ,كما حرصوا على أن يسمونها كلها بأنها من تراث العصور الوسطى المظلمة التي ينبغي لها أن تمحى من الوجود في العصر الحديث عصر النور والتحرر والانطلاق .

إن الصحافة تابعت قضية المرأة باهتمام ملحوظ  وحرصت على تغذية المعركة بالوقود الدائم الذي لا يفتر كما حرصت على متابعة الفتاة الجامعية وهي تشق طريقها الصاعد الذي تدوس فيه كل المقدسات لكي تصل إلى النور !

وكان من بين ما حرصت عليه الصحافة والمجلات الأسبوعية بصفة خاصة إبراز الروح الجامعية ولا يقصد روح البحث العلمي والتعمق في أخذ الأمور وعدم التسرع في إصدار الأحكام إنما الروح الجامعية هي ممارسة الاختلاط في الجامعة بين البنين والبنات, ومقدار ما يقع في هذه الممارسة من تحرر وانطلاق , و انعتاق من سجن التقاليد البالية التي تفصل شقي المجتمع بعضهما عن بعض وتضع بينهما الحواجز التي تعيق الأمة كلها عن التقدم والارتقاء !!

وحذار أيتها الفتاة أن تنهزمي في المعركة فالمجتمع طله ينظر إليك ويرقب نتيجة المعركة .

حذار أن تغضي بصرك فغض البصر معناه عدم الثقة بالنفس وهو من مخلفات القرون الوسطى المظلمة , التي كانت تنظر إلى المرأة على أنها دون الرجل فتغض بصرها !! أما أنت حاملة الراية فارفعي رأسك عالياً لتثبتي أنك مساوية للرجل في كل شيء وأنك ند له في كل شيء ..

فتاة الجامعة ينبغي كذلك أن تكون رشيقة خفيفة الحركة , فإليك الأزياء انتقي ما يناسبك وما يظهر رشاقتك وأظهري زينتك بقدر طاقتك … ولا حرج !!

تعالي معاً نحطم الدين والأخلاق والتقاليد التي نريد أن تكبلك في حركتك فلا تكوني رشيقة كما ينبغي !

هكذا المرأة المتحررة من صفاتها تكون جذابة في مشيتها وحركتها وكذلك حديثها !!

وما كانت الصحافة وحدها التي تعمل بل لقد تكاتفت الأدوات كلها للوصول في النهاية إلى هدف واحد صرف هذه الأمة عن دينها وأخلاقها وتقاليدها وإنشاء مجتمع جديد لا يحفل شيئاً بالقيم الدينية..

انتهى