الدين لله والوطن للجميع

.

.

يتبع للموضوع السابق ( الأقنعة الثلاث )

.

القناع الثاني : المواطنة

.

.

.قد لا يهتم كثير بـ ما معنى المواطنة , أو أنه لا يستطيع أن يستنبطها من سطور الواقع إلا بعد تفصيلها وتفتيت أصلها , فالشيء بأصله ..

فالمواطنة مأخوذة من كلمة (الوطن) , وهي تعني الانتماء ..

والمواطنة عند الليبرالية لا تُعد لأي انتماء غير الانتماء للوطن أية قيمة, وأنه من البد أن يكون الانتماء للوطن أعلى من أي انتماء ولو كان انتماءً دينياً !

فالشيعي والسني والمسيحي كلهم لهم الحق في عملية صنع القرار والمشاركة في إدارة الشأن المحلي والعام وتقاسم السلطة , بل ولهم الحق في تملك البلاد وحكمها , ماداموا أبناء وطن واحد ,لا رابطة تجمعهم سوى رابطة الوطن , ودم الأرض التي نشأوا فيها , دون تفريق على أساس جنس أو نوع أو لون أو دين !!

ولا بأس من هذا المفهوم أن يجد بيئته في البيئات العلمانية أو غير المنتسبة إلى الدين , لأنها لا تختلق روابطاً ذات كثافة تكفي للربط بين الشعوب إلا رابطة الوطن الذي ينتمون إليه , إلا أنه يختلف في البيئات الإسلامية لأنه لا رابطة أقوى من رابطة الدين ؛ ولو كانوا أبناء وطن واحد بل أبناء أم وأب واحد .

وما يحصل في الديار العربية والإسلامية هو إهدارٌ لأي رابطة إلا الرابطة الوطنية , فالمواطن المسيحي من أبناء الوطن أولى بالرعاية والاهتمام من المسلم من بلدٍ أخرى !!

وتبقى رابطة الدين من أوهن الراوبط التي تجمع بين المسلمين ,وهذا المعنى خطيرٌ  في تفكيك الثقافات ودخول فيها ماليس منها , وليس أمراً بسيطاً لأنه يعني حياة أمة أو موتها .

جاءتنا هذه الفكرة أقصد المواطنة من سفراء الغرب الأمناء ليحلّوا الروح الغربية في الجسد العربي بعد نزع الروح الإسلامية الخالصة لله تعالى, ولما جاؤوا  بفكرة الديمقراطية  من السياسة الغربية جاءت معها فروعها اليابسة ومايرتبط بها ومنها (المواطنة) , فكما أن الديمقراطية نظرية لمجتمع لا يجتمع إلا على جناح الوطن, فالمواطنة تحصل تلقائياً مع الشعوب الديمقراطية , ومنه نشأ الشعار العلماني ( الدين لله والوطن للجميع ) يعني إحلال حاكمية الشعب محل حاكمية الدين وأحكامه كما يقول الدكتور عبد العزيز كامل .

فإذا كان الأوربيون مضطرون إلى هذا المعنى الإنتمائي الكبير للوطن لمواجهة أحكام الكنيسة الجائرة في الرضا عمن تشاء والغضب على من تشاء , فإنه لا يتحصل مثل هذا لمواجهة ديناً ربانياً يمنح المؤمن كرامة يفقدها إذا تصدى لأحكام هذا الدين العادلة .

وفي هذا المعنى تدخل القومية العربية التي تقدس العربية أكثر من الدينية وتنتمي للعرب أكثر من الإسلام , ولا تتداخل الشعوب باسم الإسلام بل باسم العرب , وصارت الحدود بين البلاد الإسلامية أشبه بالجدر الشائكة التي لا تُقْحِم شعب في شعب , بل ويظهر التخلي الفاضح من الدول في حال ابتلاء إحداها وبلائها ومحنتها.

فقد كانت فكرة المواطنة  ونبذ الرابطة الدينية في أوربا فكرة اضطرارية لفض النزاع القائم والحروب الطويلة التي كان يقيمها الأوربيون لاختلاف أربابهم ومعتقداتهم ,  فأنشأوا رابطة تربط الشعوب للأوطان والأمم , لا للدين والمعتقد ’ يجمعها مفهوم واحد الدين لله والوطن للجميع , ولكن هذا لا يتلاءم مع الدين الإسلامي لأن من أهم روابطة الرابطة الدينية التي تعلو دائماً على كل رابطة حتى رابطة الدم وقد فرق الله بين إبراهيم عليه السلام وأبيه ونوح عليه السلام وابنه لأنهم لم يكونوا على دين واحد ..” إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالح “

أما المفتونين من العلمانيين العرب فينادون بإلغاء الرابطة الإسلامية التي تجمع المسلمين من دول شتى ليحلوا محلها الرابطة القومية التي تقوم على مبدأ المواطنة دون النظر إلى الدين !

وكما فعل سعد زغلول حين قال : ” لتكون مصر للمصريين أقباطاً ومسلمين يستوي فيها المسلم والنصراني واليهودي في كل شيء بحكم المواطنة ” !!

ويلحق به أذياله ليكرروا المأساة الفكرية التي يتمركزون حولها , فيقول محمد سعيد العشماوي ” إن المواطنة هي أرقى وأسمى وأدق وأضبط مفهوم وصلت إليه الإنسانية , ما الذي يدعو البعض إلى إحياء الهوية الدينية التي كانت سائدة في العصور الوسطى وقبل أن تظهر فكرة المواطنة بما فيها من عدالة ومساواة ؟ وهل تتقدم الشعوب أم ترجع القهقرى ؟! “

أما أنصار فكرة النسوية متحمسين بل من أشد المتحمسين لفكرة المواطنة , لأنها البيئة التي تتيح لهم الانطلاق لتحقيق مصالحهم إذ أنها تقوم على ست دعائم كما يقول الدكتور عبد العزيز كامل وهي : ” المساواة الاجتماعية , الحقوق المدنية , الحرية المطلقة , الذاتية السياسية , والتمثيل السياسي والنقد السياسي “

ويدخل التسامح من الآخر في معنى المواطنة , فالليبراليون دائماً ما يترفقون مع المضطهد والمختلف (دينياً) وينادون بانتمائه للوطن متجاهلين تماماً عداءه الديني ..

وكما يحدث في السعودية التي تعاني في شرقها وجنوبها من الزحف الشيعي الحاقد , ولا يعاملون من قِبَل الليبراليون السعوديون إلا بأرق التعامل وألطفه , في حين أنهم يحدّون سنان أقلامهم وأنيابهم للعلماء والفقهاء الذين يلتقون معهم حسب ما يدّعون إلى الدين نفسه ..

والاختلاف الظاهر والواضح بين السنة والشيعة لا تقبل جدلاً أو تردداً في أنهم يضمرون الحقد والعداء مهما تلطف الليبراليون في مواجهتهم , والأعجب أنهم يساوون بين السنة والشيعة متجاهلين التطرف في العقيدة الشيعية والدليل يتضح في جريدة الوطن التي تتبنى الشيعة وترعاهم , وتتبنى قضية المواطنة وتنادي بالانتماء للوطن ونبذ أي فرقة دينية !!

وكما تقول نادين البدير في جريدة الوطن ” نعاني اليوم من فرقة عالمية , أحدثها أناس استخدموا الإيديولوجيات والمذاهب ليفصلونا عن بعضنا أصروا على أن يكون معيار الحكم على البشر هو الملة والدين , وليس ذلك فقط , بل عمدوا إلى تصنيف المناطق الجغرافية بحسب مذاهب قاطنيها , مناطق كافرة وأخرة نصرانية وهذه مسلمة سنية وتلك يقطنها الشيعة ملل لا تنتهي ولن تنتهي يوماً” (!)

ويتحدث المزيني في نفس الجريدة عن مسألة التقريب بين السنة والشيعة فيقول :” والواقع أن هذه الجهود التقريبية تحتاج إلى أن يسبقها عمل تأسيسي آخر يتمثل في مراجعة كل مذهب من المذاهب الإسلامية مصادره العقدية والفقهية والتاريخية ونقدها من أجل التخفيف من عبء الماضي المثقل بالتفسيرات الإقصائية التي أملتها الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية القديمة “

ويقول :” أما غياب هذه المراجعة فلا بديل عن الاهتمام بما يعزز التعايش بين المسلمين بغض النظر عن مذاهبهم في إطار وطن يتسع للجميع ولا يضار فيه أحد بسبب انتمائه المذهبي ” !

ويجهل المزيني أو يتجاهل الضرر الذي ترزح تحته السعودية من التمدد الشيعي فيها , والضرر الذي يلحقه بالدولة والشعب , وأقلها بل وأقربها المظاهرات القريبة التي قتلت من رجال الدولة باسم الثورة !

يقول الدكتور عبد العزيز كامل ” إن احترام رابطة الإسلام ليس شأناً اختيارياً عند المسلمين , فهو جزء من عقيدتهم وهويتهم وحضارتهم , ولكن المشكلة عند العلمانيين والليبراليين أنهم وكعادتهم يتخطون كل ذلك , ليستوردوا لنا البدائل اللادينية ليحلوها محل الثوابت الإسلامية

.

.

 

About these ads

12 فكرة على ”الدين لله والوطن للجميع

  1. تحياتي لشخصك الكريم … يعجبني فيك تحديد الهدف وتصويب سهامك تجاههه وهذه ملكة لايتمتع بها إلا القليل … قد لا أتفق معك في بعض النقاط إلا أن المواطنة ستظل محل التناول من الجميع … وفي نهاية المطاف وإن اختلفت الآراء لابد من الاجتماع على حماية وجود الجميع على هذه الأرض ، فاختزال الانتماء للوطن على فيئة وخلعه عن أخرى ليس من أدوات حفظ الوطن … كما أن التسليم بالتنظير السطحي لهذا الفريق أو ذاك ، ولتقريب الصورة أكثر بالأسرة الصغيرة ستجدي أن الانتماء لها قد يتجرأ عليه أحد ما ، فينسحب هذا من أجل صديقه الصدوق ، وتنجرف تلك لعدم وجود من يسمعها داخل الأسرة ، وقد تصل الأمور لخيانة رب الأسرة أو الزوجة ، وهكذا هي الصورة في المحيط الأكبر عندما تختلط السياسة مع التدين وليس الدين والمال بالحاجة ، ورغبة الأصدقاء والأعدا ء باستغلال الوضع ، فينفذون إلى ما هو أبعد من ذلك ، والله المستعان .

    • مرحباً أخي تركي وشكراً لتواجدك المثري (كعادتك) :
      حماية الوطن الإسلامي لا تكون في تغريبة وتشريقه , بل بإثبات اللوازم الشرعية والثوابت الدينية على أرضه
      والتي تسير على من يسكن أرضه , ولا أقصد النفي وإلا كيف عاش النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة ,
      عاش معهم بلا أي رابطة تربط الصحابة مع اليهود لأن الرابطة الأقوى مفصولة , حتى نقموا نعمتهم بأنفسهم وأجلاهم الرسول من أجل غدرهم للوعود ..
      والإنتماء فقط للوطن لا ينفع الوطن , وكما يحصل للأنتماء الذي ألزمناه أنفسنا مع الشيعة فانقلبوا على الحكم ولا يزالون في ثائرتهم مهما أظهروا لنا العكس ..

      • بعد التحية … موضوع المواطنة موضوع شائك … نحن أمام وضع لايمكن مقارنته بماكان على عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم .. ولا حتى بما قام به الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحو يهود خيبر … فنحن أمام وضع مختلف فالجميع ينتمون للإسلام … والجميع يزعم أنه يطبق الشرع الحنيف … والجميع أيضاً يقاتلون باسم النبي صلى الله عليه وسلم وباسم آل البيت رضي الله عنهم … كما ينتظرون المهدي والإمام الغائب … والقائمة تطول من الأسباب التي تدحض فكرة الوطن السني الخالص أو الشيعي أو حتى المسيحي … فقد اقتضت حكمة الله تعالى وبنص القرآن الكريم على التعايش بين المؤمنين وبين أهل الكتاب وغيرهم … والعلمانية والليبرالية مصطلحات بشرية لايمكن أن تقبل لمقارعة الإسلام في كيفية إدارة الجنس البشري … الحديث ذو شجون ويتطلب بحث شامل … آمل أن توفقي إليه أو أن يتقدم إليه من لديه رغبة في الاجتهاد في هذا الباب وغيره … فنحن أمام ربيع عربي آمل أن يظل في حدوده الحالية وألا ينقلب إلى ربيع مذهبي أو قبلي … والله المستعان .

        • صحيح الموضوع شائك لكن لابد من مقابلته بصراحة وفنيده تحت ميزان الشرع
          دون التميؤ مع رأي الآخر فينا وعنا ..
          قيمة الانفصال التام عن تقييمنا لرأي (الآخر) يجعل للشريعة منزلتها التي كانت عليها ..

          في الحقيقة شكري يتوالى من أخمص امتناني إلى أعلى تقديري إليك ..
          فشكراً لك

  2. في هذه المقالة ، أعتقد أنك لم توفقي في صياغة الأفكار وتفسير الدلالات، فأولا خرجتي بمفهوم المواطنة وربطتيه بتصورات خارجية مثل العلمانية والديموقراطية ، ونسيتي أو تناسيتي أنها ليست بالبساطة التي تطرقتي لها ، وأن ما ورائها أعمق بكثير مما ذكرت، والكثير من تلك الأفكار الغربية التي ارتأيتها في العلمانية لم ينادي بها دعاة اللبرالية صراحة، بل إنا نجدهم يستخدمون الدين حسب أهوائهم ومتى ما أرادوا، وهذه حجة عليهم ، ولكن في نفس الوقت، بالغتي في الوصف وحملتي الأمر ما هو فوق طاقته ، وإن كان قصدك بأن اللبراليين لديهم مخططات علمانية، فإن هذا يحتاج لمقالة كاملة توضحين الأدلة التي قفزت بها إلى هذا الحكم بدلا من جعل الحكم أمرا مسلما به، ثم إن العلمانية وتطبيقاتها أوسع مما ذكرت، فهنالك من الدول العلمانية من يحرّم أي مظهر من مظاهر الدين خارج الكنائس ، وهنالك من الدول ما يسمح للدين أن ينتشر كما يشاء ويشرّع كما يشاء وأن يكون سلطة مجاورة لسلطة الحكم ، وهنالك من الدول من تحكم الدين وتجعل لنفسها سيادة عليه، ومن الدول من تقصر دور الكنيسة في كنيستها، وتسمح للدين أن يأخذ مجراه في الحكم ، ومن الخاطئ جدا أن نتحدث عن العلمانية بسطحية مثل هذه ونربطها بموضوع جانبي ليست عاملا أساسيا في تكوينه ، وإنما هي حل يطالب به المتحاربين والمتعادين في الخارج لإصلاح الوضع لديهم، ثم إن ليست هيمنت الكنيسة فقط هي التي أدت إلى نشوء العلمانية، بل وأيضا الصراعات بين الكاثوليك والبروستانت والدماء التي سالت من أجل هذه الحروب وبعد أن ثارت المجتمعات وفقدت إيمانها بقضية المتنازعين، أصبحت تنادي بالعلمانية وقامت الثورة الفرنسية التي تعد أهم حدث في العلمانية. ومن النزاعات التي تحدث لدى مجتمعنا وفي وطننا بين الفئات المتناحرة ، وبين من يحاولوا تعظيم أسباب الخلاف لدى كل فئة، ويفقد الخلاف آدابه أو طريقه في التسويه ، وتصبح لغة الحوار مليئة بالعنف ولغة التهديد هي أعلى من لغة التقارب، يعتقد دعاة التغريب أن في تلك اللحظة سنحتاج إلى حل علماني لحل ذلك الشجار والخلاف لقمع المعتدين من الطائفتين ، والحل طبعا ليس في إنكار العلمانية وإقصائها دون تمعن أو تدبر، وإنما في تفنيد العلمانية وفهم حاجتها لدى الشعوب، ومن ثم إثبات أن الإسلام يقدم ما هو أعظم مما تقدم العلمانية، وعلينا ألا ننسى واجبنا الإسلامي على هذه الأرض، فنحن أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ليس فيما بيننا وحسب ، بل إن واجبنا أيضا مع غيرنا من الأديان وأن نقيم الحجة عليهم، ولا ننسى دورنا الإسلامي في الشهادة على الناس بالقسط، وكل ذلك منوط بنا في الرد على العلمانية.

    إذا فالمواطنة ليست نتيجة للعلمانية، وإنما هي حل حينما يستحيل التعايش، والمواطنة في عالمنا الإسلامي والعربي قامت على أسس مختلفة من المهم النظر إليها ومعرفتها جميعا في مناقشة موضوع مثل هذا، أبرزها أولا الاستعمار، فهو الذي قسم الأرض جغرافيا وفصل بين كل دولة من الدول في مراحل متعددة أشهرها اتفاقية سايكس بيكو، ثم ضعف الدولة العثمانية في آخر أيامها وانتشار ولاتها المتجبرين في الأرض، وتغرير الإنجليز بالأشراف للخروج على الدولة العثمانية وإعطائهم دولة عربية تتمتع بسيادة واستقلالية تامة، ومن ثم انقلاب الانجليز على الأشراف وإعطاء الشام لفرنسا ومن ثم المعاهدات التي حصلت مع الملك عبدالعزيز مع الإنجليز وغيرها من الأمور التي ساعدت في تقسيم الدول العربية والإسلامية مقابل إقرار الحدود ومنح السيادة لمن يحكمها، وغيرها من الأسباب المختلفة، ونحن وحتى هذه المرحلة بالرغم من المشاكل التي بين التيارات التي تسكن نفس الأرض في كل العالم العربي مثل السنة والشيعة ، أو المسلمين والمسيحين ، أو غيرها لم نصل في العداء وسفك الدماء لمرحلة تجعل اللجوء من المواطنة سببا وإنما هي دعوات لرسم فكرة المواطنة، والأسباب الاستعمارية ونشئة الدول هي الأسباب الحقيقية لظهور الأوطان والمواطنة لدى الدول.

    • في البداية أشكرك أخي على روعة مرورك وتعليقك .
      تقول أن الليبرالية الموجودة في السعودية لم تناد صراحة , وأقول قبل كل شيء , أن الليبرالية في السعودية وإن كانت موجودة إلا أنها نسبة قليلة بالنسبة للشعب الكامل أقصد منظومة الليبرالية بكل حدودها , أما الأفكار الليبرالية والنظريات الليبرالية فهي موجودة , فقد تجد من يؤمن بمبدأ ليبرالي ولا يؤمن بغيره , ولكنها تبقى أفكار تتشعب في العقول حتى تستبدل أفكاراً بأفكار غيرها , والمناداة الصريحة صفاقة لن يقترفها من له هدف تغريبي بحت , لأن الخطة منكشفة بالنسبة للمجتمع والتصريح كان دليله , لكن المناداة الخفية المشكلة الموجودة , وأتفق معك أن العلمانية تطبيقات واسعة لكن تبقى ملتقية مع الليبرالية في الرموز والخطوط العريضة , أو قل تتفق معها في أكثر تطبيقاتها وكأنما بتنا نشك في أن الليبرالية نشأة علمانية بأسماء مختلفة خصوصاً بعد الإنكار الواضح والسقوط لها أيام الثورة العلمانية القديمة بعدما انكشفت أنيابها .
      صحيح أنه من الخطأ أن أربط موضوع جانبي بمنظومة شاسعة , لكنيه غير صحيح أن يُفصل موضوع جانبي يندرج تحت المنظومة ..
      والعوامل التكوينية قد تتعدد لكنها تتقابل بالتوازي لا التضاد , والمواطنة هي حل علماني كما أثبته أنت بعدما أنكرته , فإن كانت ليست عاملاً أساسياً في المواطنة لكنها تبقى من عوامله.”فالأوربيين كانوا مضطرين إلى نبذ الرابطة الدينية ففي القرون الوسطى و كان الغربيون الأوربيون غارقين في صراعاتهم المذهبية وحروبهم الأهلية التي كان يحرضها البابوات ويقودها الملوك , وهو ماقطع رابطتهم الدينية , ولما ثار الأوربيون على تلك الرابطة القائمة على تحكم رجال الدين المستبدين وانتفضوا ضد تفردهم بالأمر أنشأوا رابطة تقوم على الانتماء للأمة لا للدين على أسس طبقية , وهذا كان قبل الثورة الفرنسية , واستمرت هذه الرابطة الطبقية حتى قدم بعض رواد الفكر الليبرالي الفرنسيين مفاهيم جديدة تنادي بإلغاء رابطة الطبقات وتطالب بجعل الفرنسيين جميعاً طبقة واحدة يجمعها مفهوم الدين لله والوطن للجميع ومن رواد هذا الفكر فولتير ومونتسيكيو وجان جاك روسو ..وكان الولاء الذي ينادون به يكون للأرض قبل المعتقد والدين , وقد قادت هذه الأفكار اشتعال الثورة الفرنسية التي رفع ثوارها شعار ( اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس )”
      ولما رأى الليبراليون بعض النزاعات التي لم تفضي إلى النزاع الدموي انتقلوا إلى الحل الليبرالي في المواطنة لفض النزاع وفتتوا روابط الدين التي هي من أكثف وأقوى الروابط مقابل رابطة الطين والأرض , وهو حل قسري لا أصل له حتى نعتمده حلاً ..!
      وأما أن هيمنة الكنيسة لم تكن فقط التي أدت إلى نشوء الليبرالية أوافقك ليست فقط ولكنها السبب الأهم , ففساد الكنيسة ولدت عقدة , والبروتستانت وتهويد النصرانية , وفساد النصرانية قبل ذلك من عوامل الثورة والخروج , ولماذا هي الأهم أي الكنيسة , لأن فساد النصرانية ومحاولة تهويدها من قبل مفكرين يهود يبطنون اليهودية ويظهرون النصرانية في الأندلس خوفاً من التجبر الكاثوليكي عليهم صنع منهم ثواراً على الكنيسة واللاهوت , أمثال مارتن لوثر أول ثائر ضد الكنيسة المؤسس لهذه الحركات .
      إذن فالمواطنة حل للصراعات الدينية في العهد الأوربي في وقت الثورات على الدين المحرف والعقائد المبدلة, وجاء الحل عند بعضنا وفقاً للحلول الأوربية الثائرة , ومادامت ضمن المنظومة الليبرالية , ولها دعاتها فتبقى جانباً لصيقاً لا ينفك عن المنظومة بأكملها . وأتفق معك أن المواطنة من نتائج الاستعمار الغربي , ولكن ما سبب هذا الاستعمار إلا لتحكيم الديمقراطية والديمقراطية نطاق يدخل في النطاق العلماني , بغية المستعمر في تثبيت شريعة الديمقراطية , وتقسيم البلاد العربية إلى دول وحدود فليس أسهل من اقتناص الهدف إلا تشتيته , وهذا مايقع تماماً في الدويلات والأوطان التي تتحد باسم الوطن متناسية روابط الدين الأقوى .. .
      بقي أن أتساءل : تقول “وإنما هي دعوات لرسم فكرة المواطنة” من يدعو لرسم فكرة المواطنة , ولمن يهيأ هذا المشروع ؟

  3. موضوعٌ شائك..لكنه مهم ككل المواضيع ذات الشأن بالهوية وككل المواضيع التي تطرحينها ، وبين النظرية والتطبيق تبقى الهوة واسعة في عالمنا العربي بين ما هو ممكن وغير وممكن ، ثم يجب ألا ننسى أن ذات الحجج التي سقتها يا أمل قد تكون ذريعة الحكام في كل مكان وزمان ” أي التحجج بوجود خطر ما محق بالأمة ” الجماعات الإرهابية ، خطر تقسيم البلاد ، خطر الإستعمار..وغيرها من الشماعات التي قد يسوقونها كي يبقى ال” مواطن” فلنقل، دائما في حالة شكر لهم أنهم يصدون عنه هذه الأخطار الزائفة

    إن نشر الوعي بالخطر الشيعي مهم للغاية ، وإن الليبراليين قد يتطرفون أحيانا في مطالباتهم وأفكارهم ، لكن لا ننسى أن أي تطرف قد يؤدي أيضا إلى ذات انتيجة ، إن الحل دوما هو الموازنة وإنشاء حوارات فكرية بين كل الأطراف لإمتصاص أي إحتقان فد يؤدي له تهميش الآخر

    غبت لفترة لأجد كل هذا الصخب الجاد وهذه الأفكار التي تدعو إلى ” العصف الذهني ” ماثلة عبر مقالاتك الثلاث الأخيرة فتحسرت على ما فاتني من شرف المشاركة فيها على أمل أن أعوضه في المرات القادمات

    شكرا وأمنيات بخير

    • مرحباُ بالأديب المجتبى محمد :
      افتقدت حظورك لكني أقدر غيابك أسأل الله لك الإعانة والتوفيق ..
      بالنسبة للموضوع نحن نرجو الوسط لأن التطرف في أي الطرفين يحدث فجوة ..
      فكما كان رسول الله يعامل اليهود والمنافقين في المدينة كان لابد أن يكون تعاملنا مع هذا الشخص المواطن فقط ..
      لا أن يمنح للشيعي ما يمنح للسني ..
      بصراحة بالغة الوضع المرفه الذي يعيشه الشيعة لدينا في السعودية أغراهم بالطمع .
      ففي كل يوم لهم ثورة وإن كانت تقمع إلا أنهم ينخرون الجسد المسلم باسم (المواطنة) بمباركات ليبرالية وأيدِ خارجية
      هذا أقل ما أنتجته المواطنة ..
      فأين الإفراط والتفريط !

      أنا سعيدة بعودتك أرجو أن لا يلحقها انقطاع ..

  4. مقال رائع جدا جدا.. وقد أعجبني إذ يفتح آفاقًا جديدة للموضوع..

    مما أعجبني جدا: “ولا بأس من هذا المفهوم أن يجد بيئته في البيئات العلمانية أو غير المنتسبة إلى الدين , لأنها لا تختلق روابطاً ذات كثافة تكفي للربط بين الشعوب إلا رابطة الوطن الذي ينتمون إليه , إلا أنه يختلف في البيئات الإسلامية لأنه لا رابطة أقوى من رابطة الدين ؛ ولو كانوا أبناء وطن واحد بل أبناء أم وأب واحد”.

    وكذلك: “جاءتنا هذه الفكرة أقصد المواطنة من سفراء الغرب الأمناء ليحلّوا الروح الغربية في الجسد العربي بعد نزع الروح الإسلامية الخالصة لله تعالى, ولما جاؤوا بفكرة الديمقراطية من السياسة الغربية جاءت معها فروعها اليابسة ومايرتبط بها ومنها (المواطنة) , فكما أن الديمقراطية نظرية لمجتمع لا يجتمع إلا على جناح الوطن, فالمواطنة تحصل تلقائياً مع الشعوب الديمقراطية , ومنه نشأ الشعار العلماني ( الدين لله والوطن للجميع ) يعني إحلال حاكمية الشعب محل حاكمية الدين وأحكامه كما يقول الدكتور عبد العزيز كامل”.

    أشكرك جدا على هذا الأثراء القيّم حقّا.. ولي في الحقيقة كتاب كامل عن موضوع “الهوية الإسلامية” تعرضتُ فيه لموضوع الوطنية وغيره وعالجت هذه المواضيع بشيء من العمق، يمكنك تحميله من هنا: http://ar.islamway.com/book/4185

    أو من هنا إن كان الموقع محجوبا: http://www.saaid.net/book/open.php?cat=83&book=9272

    وجزاكم الله خيرا

    • الأستاذ شريف ..
      والشرف يحل قريباً بل وفينا لهذا الحضور الرائع ..
      لم أستطع طريقة لوصف فرحي بتواجدك المثري غير أني أقول
      جزيت الجنة له . وللهدية التي أرجو من الله أن ينفع بها الإسلام وأهله
      أشكرك جداً على كتابك وتم تحميله وتحويله إلى رابط pdf
      لقرائته .. أكرر شكري

قل شيئاً هنا ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s